الاثنين، 3 يونيو 2013

حكم التحكيم الأجنبي


حكم التحكيم الأجنبي


        إذا كان للحكم معني اصطلاحي موحد وهو " المنطوق الواجب تنفيذ ما أمر به "  وإذا كان التحكيم قضاء خاص أو استثنائي ، لأن الأصل أن المحاكم لها ولاية الفصل في المنازعات باعتبارها الجهاز الذي يباشر السلطة القضائية للدولة .

      لذلك نعرض بإيجاز مناسب لمفهوم حكم التحكيم الأجنبي من خلال تقسيمه إلى فرعين  نخصص الفرع الأول للتعريف بحكم التحكيم ونخصص الفرع الثاني للصفة الأجنبية لحكم التحكيم  .

الفرع الأول

التعريف بحكم التحكيم


     إذا كان تحديد معنى الحكم مسألة من مسائل التكييف ، فإن محاولة تحديد معنى حكم التحكيم ليست بالأمر الهين ، لأنه يجب من البداية وكمسألة أولية أن نحدد ما إذا كان اتفاق الأطراف على إحالة النزاع على شخص ثالث هو من قبيل  الاتفاق على التحكيم ، أم أنه من قبيل الخبرة أو الوساطة ، فيجب على القاضي أن يأخذ في الاعتبار كمسألة أوليه عند القيام بتكيف العمل الصادر من ذلك الشخص الثالث تحديد ما إذا كان صادر منه بصفته محكم أم بصفته خبير أو وسيط بين الطرفين ، ويكون ذلك بتحديد طبيعة المهمة الموكلة إليه ، ويقوم القاضي بتحديد ذلك بما له من سلطة تقديرية ، فيجب استبعاد تكييف القرار بأنه قرار محكم عندما يبدو أن حل النزاع لم يكن بسبب عمل حاسم صادر من ذلك المحكم (1).

      فإذا انتهينا بأن اتفاق بإحالة النزاع على شخص ثالث هو اتفاق على التحكيم  فيجب أن نحدد بعد ذلك ما إذا كان العمل الصادر من المحكم هو عمل قضائي من عدمه لتحديد ما إذا كان القرار الصادر منه هو حكم تحكيم أم لا ، وذلك لأن   الوظيفة القضائية الممنوحة للمحكم بناء على اتفاق التحكيم ، تجعل عمل المحكم يكتنفه العديد من الفروض ، ففي إحدى القضايا حرر المحكم رأيه موضحاً وجهة نظرة في الحل المقرر للنزاع ، فقالت محكمة استئناف باريس أن مثل هذا الرأي ليس بعمل قضائي (2) .

    وبذلك يتضح أن محاولة تعريف حكم التحكيم ليست بالأمر الهين ، بدلالة أن القانونيين الذي وضعوا القانون النموذجي للتحكيم الدولي ( اليونسترال ) حاولوا أن يضعوا تعريفاً للحكم التحكيمي ولكنهم تراجعوا عن ذلك ، وكان النص المقترح لتعريف الحكم التحكيمي هو أن كلمة حكم تحكيمي يجب أن تفهم على أنها حكم نهائي يفصل في كل المواضيع المطروحة على المحكمة التحكيمية (3) .

     ولكن اتفاقية نيويورك لتنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية حددت المقصود بأحكام المحكمين بقولها في المادة الأولي فقرة (2) أنه يقصد بأحكام المحكمين ليس الأحكام الصادرة عن محكمين معينين للفصل في حالات محددة بل أيضاً الأحكام الصادرة عن هيئات تحكيم دائمة يحتكم إليها الأطراف ، ويلاحظ على هذا التعريف أنه تعريف عام شامل لأنه قد يصدر عن المحكمين أحكام تمهيدية أو جزئية ليست فاصلة للنزاع ومع ذلك تعد أحكام تحكمية وفقاً لهذه التعريف .

     وعلي ذلك يمكن تحديد المقصود بحكم التحكيم القابل للتنفيذ دولياً بأنه هو حكم التحكيم الملزم المنهي للخصومة ، أي الحكم الفاصل في موضوع النزاع المنهي للخصومة (4) ، سواء كان صادراً بإجابة المدعي إلى طلباته كلها أو بعضها أو برفضها جميعاً  .



الفرع الثاني

الصفة الأجنبية لحكم التحكيم


      بعد أن انتهينا من تحديد معني حكم التحكيم ، يجب علينا بيان الصفة الأجنبية لحكم التحكيم ، لأن لتحديد الصفة الأجنبية لحكم التحكيم أهمية بالغة حيث يترتب على التمييز بين حكم التحكيم الأجنبي وحكم التحكيم الوطني اختلاف في القواعد القانونية المطبقة على كل منهما ، فالتحكيم الوطني يستتبع تطبيق القانون الوطني ، بخلاف الحال لو أشتمل التحكيم على عنصر أجنبي أو أكثر ، فنكون أمام احتمال تطبيق قانون أو قوانين أجنبية .

      كما يترتب على التمييز بين حكم التحكيم الأجنبي وحكم التحكيم الوطني أهمية خاصة فيما يتعلق بتحديد قواعد الاختصاص الدولي للمحاكم بنظر طلب الأمر بالتنفيذ أو استئناف حكم التحكيم أو رفع دعوى ببطلانه ، كذلك تبرز فكرة النظام العام عندما يتعارض حكم التحكيم مع النظام العام في الدولة المطلوب إليها التنفيذ ، ففكرة النظام العام في التحكيم الأجنبي تضيق عن فكرة النظام العام في التحكيم الوطني ، كما تبدو أهمية معرفة صفة التحكيم وانتماءه لدولة معينة لتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل أو التبادل .

ومن هنا يثور التساؤل على أي أساس يمكن التمييز بين حكم التحكيم الوطني وحكم التحكيم الأجنبي ؟

للإجابة على هذا التساؤل يوجد عدة معايير لتمييز حكم التحكيم الأجنبي عن حكم التحكيم الوطني أشهرها معيار مكان صدور الحكم ويطلق عليه المعيار الجغرافي والمعيار الإجرائي ويطلق علية المعيار القانوني ، ولكن قبل الاسترسال في بيان هذين المعيارين ينبغي أن ننوه إلى أن جنسية المحكم ، أو جنسية أطراف التحكيم ليس لهما أي اعتبار في تحديد الصفة الأجنبية أو الوطنية لحكم التحكيم ، لأن مناط التمييز يتركز حول الربط بين مسألة انتماء التحكيم وإجراءاته لعنصر معين سواء كان هذا العنصر جغرافي أو قانوني .

1-                المعيار الجغرافي :

ومؤدي هذا المعيار أن حكم المحكمين يأخذ جنسية المكان الذي صدر فيه (5) فالعبرة في ثبوت الصفة الأجنبية لحكم المحكمين هي بضرورة صدوره في بلد أجنبي ، بغض النظر عن البلد الذي عقدت فيه مشارطه التحكيم ، وبغض النظر عن جنسية الخصوم أو المحكمين (6) ، وفي حالة تعدد الدول التي يعقد فيها التحكيم ، فيعتد بالدولة التي أنعقد فيها التحكيم بصفة رئيسية وصدر فيها حكم التحكيم ، وذلك لأن الحكم يحمل اسم سلطة الدولة التي صدر فيها ، فالمحكمين يتولون القضاء عن طريق التفويض الذي يصدر لهم من سلطة الدولة على إقليمها (7) ، كما أن المحكمين لا يجلسون للحكم عادة إلا في دولة تربطها بالنزاع موضوع التحكيم صلة وثيقة (8) .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ، هل يجوز لقاضي الدولة الذي يتولى تكييف حكم التحكيم أن يحدد جنسية الحكم بدولة معينة لمجرد صدوره فيها ، أم يكتفي بإسباغ الصفة الأجنبية عليه ؟

يري البعض عدم إمكانية قيام قاضي الدولة الذي يتولى تكييف حكم التحكيم بإسباغ جنسية دولة أخري على الحكم التحكيمى لمجرد صدوره في فيها ، وأن كل ما يملكه هو أن يقرر ما إذا كان  يعتد بمعيار محل صدور الحكم وصولاً إلى أجنبية الحكم الصادر في أي من الدول الأخرى ، فله أن تحدد صفة الحكم ( وطنياً أم أجنبياً ) ولكن لا تملك تحديد جنسيته (9) .

      والظاهر أن أغلب القوانين لم تتعرض صراحة لمسألة جنسية حكم التحكيم وإن كان يفهم من بعض القوانين اعتبار حكم التحكيم الصادر في بلد أجنبي حكم تحكيم أجنبي ، كما هو الحال في القانون المصري ، حيث نصت المادة 299 مرافعات على أن ( تسري أحكام المواد السابقة " أي المتعلقة بتنفيذ الأحكام الأجنبية" على أحكام المحكمين الصادرة في بلد أجنبي ) ، لذلك يصعب التسليم بالرأي السابق لأن تحديد جنسية حكم التحكيم تكون ضرورية لتطبيق مبدأ التبادل أي المعاملة بالمثل ، أو لإعمال أحكام اتفاقية ما خاصة بتنفيذ أحكام المحكمين .

     وتأخذ معظم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتحكيم بمعيار مكان صدور الحكم لتحديد الصفة الأجنبية لحكم التحكيم ، فأهم اتفاقية دولية لتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، وهي اتفاقية نيويورك لعام 1958م ، قد نصت في مادتها الأولي على أن ( تطبق الاتفاقية الحالية للاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الصادرة في إقليم دولة غير التي يطلب إليها الاعتراف وتنفيذ هذه الأحكام على إقليمها ) .

     ويتميز معيار مكان صدور حكم التحكيم بالوضوح وسهولة الوصول إليه إلا أنه لا يخلوا من النقد ، حيث لا يكفي وحدة لتحديد جنسية حكم التحكيم ، لأنه قد تكون الصدفة وحدها وراء اجتماع المحكمين في دولة معينة للنطق بالحكم وتوقيعه كذلك لا توجد فائدة للأخذ بهذا المعيار في حالة عدم تقابل المحكمين البتة ، وذلك إذا ما تم تبادل وجهات النظر عن طريق المراسلة وهو أمر ممكن عملاً (10) ، كما أن معيار مكان صدور حكم التحكيم كما يقول القضاء الفرنسي قد يكون له أهمية هامشية بالنسبة لإجراءات التحكيم في جملتها (11) .

     والواقع أنه يصعب علينا التسليم بهذا المعيار بالجملة لأنه بالإضافة إلى أوجه النقد السابقة ، نجد أن هذا المعيار يفترض تطابق القواعد القانونية في الدول وهذا من الصعب أن يحدث ، لأنه على سبيل المثال في فرنسا يكون حكم التحكيم الذي يصدر فيها أجنبياً ، في حالة تطبيق المحكمين قانوناً أجنبياً غير القانون الفرنسي حيث أصدرت محكمة باريس في 5/7/1955م حكماً قالت فيه ( أن حكم التحكيم الصادر في تحكيم أجرى في فرنسا هو حكماً أجنبياً لأنه صادر وفقاً لأحكام القانون الإنجليزي ) ، وفي ألمانيا يعتبر حكم التحكيم وطنياً ولو صدر في الخارج إذا ما خضع لقانونها الإجرائي (12) .

     كما أن هذا المعيار يعد قياساً على معيار أجنبية الأحكام القضائية ، وهو قياس مع الفارق لأنه كما سبق وأن أوضحنا في المطلب السابق أن التحكيم ذو طبيعة خاصة ، وبالتالي لا تصلح المعايير التقليدية لأن تصوغ الأحكام الخاصة به  كما أن معيار مكان صدور الحكم القضائي منتقد بإمكانية صدور أحكام قضائية في الخارج ومع ذلك تعد أحكام وطنية كما هو الحال في أحكام المحاكم القنصلية وأحكام محاكم البلاد الواقعة تحت الاحتلال الحربي ، وبالإضافة إلى ذلك كله فإن اتفاقية نيويورك لتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية لم تكتف بالأخذ بهذا المعيار بمفردة وأخذت بمعيار أخر بجانبه وهو كون أحكام التحكيم أجنبية وفقاً لقانون الدولة المطلوب فيها الاعتراف بحكم التحكيم وتنفيذه ، حيث نصت في مادتها الأولى على ذلك بالقول ( … وكذلك على أحكام التحكيم المعتبرة غير وطنية في دولة التنفيذ ) ، ولكن ليس معني ما أثرناه بقولنا هذا أننا نرفض الأخذ بهذا المعيار ، بل على العكس نوافق عليه ، ونؤيد العمل به ، كل ما في الأمر أن هذا المعيار ليس في رأينا هو المعيار الوحيد لتحديد الصفة الأجنبية لحكم التحكيم بحيث يكون جامعاً مانعاً من الأخذ بأي معيار أخر لتحديد الصفة الأجنبية للحكم .


2-                المعيار الإجرائي ( المعيار القانوني ) :

ومؤدي هذا المعيار اكتساب حكم التحكيم جنسية الدولة التي تم تطبيق قانونها الإجرائي على التحكيم (13) .

ووفقاً لهذا المعيار يكون حكم التحكيم أجنبياً إذا تم داخل إقليم الدولة نظراً لخضوعه إجرائياً لقانون دولة أخرى ، ويكون حكم التحكيم وطنياً رغم صدوره في الخارج إذا تم وفقاً للقانون الوطني (14) .

ويمكن للأفراد من خلال هذا المعيار التحكم في الصفة الأجنبية أو الوطنية لحكم التحكيم بطريقه غير مباشرة من خلال اختيار مكان إجراء التحكيم ، لأنه سيتم في هذه الحالة تطبيق القانون الإجرائي الخاص بهذا المكان على إجراءات التحكيم .

      ويتميز المعيار الإجرائي بكونه أكثر تماسكاً من المعيار الجغرافي ، لأنه معيار قانوني لا يخضع لتغيرات المكان ويضرب بعض الشراح الغربيين مثالاً لذلك بالقول أنه إذا ذهب المحكم الإيطالي مثلاً بعد انتهاء التحكيم في إجازة إلى يوجوسلافيا ، وأخذ معه ملف القضية وكتب الحكم ووقعه هناك ، فلن يكون هذا الحكم يوجوسلافياً بفضل هذا المعيار الإجرائي (15) .

      كما أن المعيار الإجرائي يتمشى مع التكييف الغالب للتحكيم على أنه ذو طابع قضائي أو ذو طابع خاص أقرب للقضاء (16) ، وأستخلص بعض الشراح تأييد اتفاقية نيويورك للمعيار الإجرائي وذلك عندما تتحدث الاتفاقية عن تعريف الأحكام الأجنبية فهي بالدرجة الأولي تلك الأحكام الصادرة في دولة غير التي يراد الاعتراف بالحكم وتنفيذه فيها بالإضافة إلى ذلك تسري الاتفاقية أيضاً على الأحكام الصادرة في نفس الدولة المطلوب فيها التنفيذ إذا اعتبرتها هذه الدولة مع ذلك أجنبية ، ويكون ذلك نتيجة أن التحكيم خضع لقانون إجرائي مختلف عن قانون الدولة المطلوب فيها الاعتراف بالحكم وتنفيذه ، وذلك لإحداث توفيق لا بد منه بين متطلبات بعض الدول للاعتراف بالمعيار الإجرائي وبين اعتراضات الدول الأخرى (17) .

ويؤخذ على هذا المعيار عدم مراعاته للجانب الإرادي في التحكيم ، لأن إرادة الأطراف تسري في أوصال العملية التحكمية ولا تنفصل عنها (18) .

     ويتضح لنا أن الأخذ بهذا المعيار لتحديد الصفة الأجنبية لحكم التحكيم ومن ثم جنسية حكم التحكيم يتفق مع الطبيعة الخاصة بالتحكيم كنظام لحسم المنازعات لأنه لا شك أن المعيار الجغرافي قد يبدو غير منطقي في بعض الأحوال ، حينما يجعل جنسية حكم التحكيم متوقفة على مكان صدوره حتى وإن كان هذا المكان يقل كثيراً في أهميته مقارنة بالعناصر الأخرى الداخلة في عملية التحكيم .

     وفى النهاية يمكن لنا القول أنه لا يوجد قاعدة موحدة على مستوى دول العالم لاعتبار حكم تحكيم ما أجنبياً من عدمه ، فكل قاضي يراد منه الاعتراف بحكم تحكيم ما ، هو الذي يتولى تقدير كون ذلك الحكم أجنبياً من عدمه وهو يجري هذا التقدير وفقاً لقانونه الداخلي ووفقاً للاتفاقيات المنضمة إليها دولته ، وإنما عنينا بالإشارة إلى المعيارين السابقين بوصفهما الأكثر شيوعاً بين الدول ، فقد تأخذ دولة ما بأحدهما أو بهما معاً أو بضوابط معينة منصوص عليها في قانونها الداخلي ، وهذا ما راعاه واضعوا نصوص معاهدة نيويورك حينما نصوا على أن حكم التحكيم يكون أجنبياً متي كان صادراً في دولة ما ويراد تنفيذه في دولة أخري وأن ذلك لا يمنع من أن تعتبر دولة ما حكم تحكيم أجنبياً متي كان قانونها الداخلي يقرر ذلك وفقاً لضوابط معينة مثل موضوع النزاع ، وجنسية ومحل إقامة أطرافه وجنسية المحكمين ومكان التحكيم ، والقانون المطبق لحسم النزاع ، ومكان توقيع العقد أو تنفيذه .

ويجب أن نلاحظ أن التطور القانوني السريع في مجال التحكيم قد أفرز عن وجود ما يسمي بالتحكيم الدولي بجانب التحكيم الوطني والتحكيم الأجنبي وهو التحكيم الذي ينتمي لأكثر من دولة بأكثر من عنصر من عناصره ويصعب تحديد انتماءه لدولة معينة دون الدولة الأخرى (19) ، وقد نص على هذا النوع من التحكيم قانون التحكيم المصري الجديد رقم 27 لسنة 1994م في المادة الثالثة منه ، وقانون التحكيم الدولي اللبناني سنة 1983م في المادة (809) فقرة (20) ، وقانون التحكيم اليمني سنة 1992م ، وقانون التحكيم التونسي سنة 1993م  وقانون التحكيم الجزائري سنة 1993م ، وقانون التحكيم البحريني سنة 1994م  وقانون التحكيم العماني سنة 1997م ، وقانون التحكيم السويسري سنة 1987م  وقانون التحكيم البلجيكي سنة 1985م .

     أما على مستوى الاتفاقيات الدولية فهو غير موجود إلا في نطاق اتفاقية واشنطن لتسوية منازعات الاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى عام 1956م فالمراكز الإقليمية للتحكيم لم يتمخض عنها وجود تحكيم دولي يتمتع بنفاذ دولي مباشر حتى على النطاق الإقليمي الذي تمارس فيه هذه المراكز نشاطها ، فالأحكام الصادرة في نطاق هذه المراكز يجري بحث وطنيتها وأجنبيتها حسب محل صدورها أو حسب أحد المعايير الأخرى التي تأخذ بها دولة التنفيذ المعنية (21) .

   والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل هناك فرق بين حكم التحكيم الدولي وحكم التحكيم الأجنبي ؟ 

للإجابة على هذا التساؤل نقول : يري البعض عدم وجود فرق بين حكم التحكيم الأجنبي وحكم التحكيم الدولي ، ويجمع بينهما تحت اسم واحد هو حكم التحكيم الدولي وأن كل تحكيم غير وطني هو دولي لأن أي حكم تحكيم أجنبي بالنسبة لدولة ما يعد وطنياً بالنسبة لدولة أخري ، ومن ثم فإن اتصال التحكيم بأكثر من نظام قانوني يجعله تحكيم دولي ، ولأن التفرقة بين التحكيم الأجنبي والتحكيم الدولي تؤدي إلى الخلط بين التحكيم الذي يتم بين أفراد أو هيئات خاصة والتحكيم الذي يمكن أن يقع بين الدول (22) .

     ويري البعض الأخر أنه لا بد من التمييز بين حكم التحكيم الأجنبي وحكم التحكيم الدولي خصوصاً بعد قيام بعض القوانين بالنص عليه ووضع معايير لتحديده ، إذ يكون على القاضي الذي ينظر طلب تنفيذ حكم تحكيم أن يكيفه بين فروض ثلاثة هي أن يكون حكم التحكيم وطني ، أو أن يكون حكم التحكيم أجنبي  أو أن يكون حكم التحكيم دولي (23) .

    والواقع أنه بمراجعة حالات دولية التحكيم المنصوص عليها في القوانين المختلفة ومنها القانون المصري في المادة (24) من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية رقم 27 لسنة 1994م ، والقانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي الذي وضعته لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية ( الانسيترال ) ، يتضح لنا أن كل تحكيم أجنبي هو تحكيم دولي ولكن ليس كل تحكيم دولي هو تحكيم أجنبي  لأن التحكيم يمكن أن يقع على إقليم دولة محددة ومع ذلك يكتسب الصفة الدولية الأمر الذي يجعل للرأي الثاني وجاهة وثقلاً ، كما أن هناك فروق تترتب على اكتساب حكم التحكيم لوصف الأجنبية أو الدولية تثار بمناسبة تحديد مدى سلطة القاضي الوطني عند التعرض لحكم تحكيم أجنبي أو دولي من حيث التعرض لصحتها أو بطلانها وإصدار الأمر بتنفيذها أو رفضه ، فمثلاً القواعد المتعلقة بحكم التحكيم في ذاته من حيث شروط صحته وضوابط إصدار الأمر بتنفيذه تخضع لقانون الدولة التي تم إجراء التحكيم على إقليمها سواء كان التحكيم وطنياً أم دولياً ، أما إذا كان التحكيم يجري في الخارج  فإنه لا يخضع لهذا القانون إلا إذا أتفق أطرافه على ذلك (25) .

وقبل أن أختم هذا الفرع أود أن أشير كذلك أنه في بداية الخمسينيات من هذا القرن أوجد الفكر القانوني وعلى الأخص في فرنسا وألمانيا وسويسرا نوع من أنواع أحكام التحكيم تسمي الأحكام الطليقة أو اللامنتمية ، وهو الحكم الذي لا يقع في نطاق أي قانون تحكيم وطني بواسطة اتفاق الأطراف (26) ، والاختلاف الأساسي بينه وبين حكم التحكيم الدولي ، أن الأخير يتصل بأكثر من نظام قانوني وطني في حين أن الأول لا يتصل بأي نظام قانوني وطني ، وفى واقع الأمر أنه إذا كان هذا النوع من الأحكام قد نشأ كطفرة وجدت في مجال عقود التجارة الدولية عند محاولة عزل العقد عن أي نظام قانوني وتطبيق ما يسمي بأعراف وعادات التجارة ، إلا أن هناك تردد كبير في الاعتراف بوجوده في الواقع ، فهو يلقي معارضة شديدة من قبل القضاء والشراح ، لأنه لابد لأي علاقة أن تستند إلى قانون ما ، وبالتالي فإن أي تحكيم لا بد وأن يرتبط بنظام قانوني معين (27) سواء وطني أو أجنبي أو دولي (28) .

































تنفيذ أحكام التحكيم فى ظل القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولي تطبيق على التشريع الكويتي




تنفيذ أحكام التحكيم فى ظل القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولي

تمهيد وتقسيم :

يعد الاهتمام بتنفيذ حكم المحكم من أولى الموضوعات التى تستحق الدراسة والتحليل ؛ ذلك أن المحك فى نجاح نظام التحكيم والتسليم بأفضليته لحل المنازعات ذات الطابع الدولى أو على المستوى الوطنى هو تنفيذ أحكام التحكيم ، بخاصة خارج الدولة التى صدرت فيها هذه الاحكام 

فليس هناك أهم من إمكانية تنفيذ حكم التحكيم ، خاصة في التحكيم التجاري الدولى، لأن المكان الذى صدر فيه الحكم قد يتم اختياره بسبب ملائمته للأطراف دون أن يكون للطرف الذى صدر ضده الحكم أموال أو ممتلكات فى الدولة التى تم اختيارها كمكان للتحكيم وصدر فيها الحكم ، ولهذا فإن الطرف الذى صدر الحكم لصالحه يبحث عن الدولة التى يكون لخصمه فيها أموال وممتلكات يمكن التنفيذ عليها ولا تقل عن هذا أهمية تنفيذ حكم التحكيم الوطني ؛ ذلك أن تنفيذ حكم التحكيم يعد بمنزلة لحظة الحقيقة بالنسبة لنظام التحكيم كله ([اىت])، إذا يعد هذا هو الوقت الحرج أو وقت الوفاء بالدين ، فنجاح التحكيم يقاس بمدى تنفيذ أحكامه .

ولكن ما هو الفرض عندما يرفض الطرف المحكوم عليه تنفيذ حكم التحكيم اختيارياً ؟! هنا تظهر أهمية تنفيذ هذا الحكم تنفيذاً جبرياً ، وذلك بالحصول على أمر بتنفيذه؛ حيث اهتمت التشريعات الحديثة _سواء الوطنية أو الدولية_ بتنظيم مسألة تنفيذ أحكام التحكيم، وهذا ما سنعالجه فى هذا الفصل تفصيلاً  ، وذلك على النحو التالى :

المبحث الأول : تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية فى إطار الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.

المبحث الثانى : تنفيذ أحكام المحكمين وفقاً للتشريعات الوطنية.





المبحث الأول
تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية فى إطار الاتفاقيات والمعاهدات الدولية 
ــــ

تمهيد وتقسيم :

فى ظل غياب التنفيذ الإرادى من قِبل من صدر ضده الحكم ، فإن من صدر لصالحه حكم التحكيم لن يتمكن من الحصول على المزايا التى قررها الحكم لصالحه إلا بعد اتخاذ إجراءات معينة ، وإذا كانت مشكلة تنفيذ أحكام التحكيم ، قد تبدو محدودة الأبعاد  إذا ما ظلت فى إطار النظام القانونى الداخلى للدولة ، فإن جوانبها تتعاظم وتتنامى بالنسبة لتنفيذ أحكام التحكيم الصادرة خارج الدولة التى يراد التنفيذ على أرضها ، أو تلك التى تتعلق بالتجارة الدولية ، خاصة فى ظل غياب قواعد تنفيذية موحدة بين الدول المختلفة تعالج تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية 


ولذلك فقد حاولت العديد من الدول سواء بشكل جماعى أو ثنائى ، وغير ذلك ، تذليل العقبات التى تحول دون تنفيذ أحكام التحكيم الصادرة فى المجال الخاص بإبرام اتفاقيات فيما بينها ، فتعمل على تيسير تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية أو المتعلقة بالتجارة الدولية 



ورغم الآثار الطيبة التى تحققت من جراء إبرام هذه الاتفاقيات إلا أنها لم تقضِ على كافة الصعوبات التى تحول دون تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية أياً كانت الأسباب .



المطلب الأول : اتفاقية نيويورك لعام 1958.


المطلب الأول
اتفاقية نيويورك لعام 1958 (كنموذج للقانون الاتفاقي)
ـــــ

تمهيد وتقسيم:

نظراً إلي أن تنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية وفقاً للقانون الاتفاقي يفوق من حيث المزايا الكثيرة نظيره الذي يتم وفقاً للنظام القانونى للدولة التى سيجرى التنفيذ على إقليمها ، فلقد حرصت غالبية الدول على تشجيعه ! وذلك بإبرامها للعديد من الاتفاقيات الدولية الثنائية والجماعية ، والتى بمقتضاها يلتزم القضاء الوطنى فى كل دولة متعاقدة بالاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها

.

وإذا كانت اتفاقية نيويورك عام 1958 بشأن الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية تأتى بصفة عامة على رأس هذه الاتفاقيات لما حوته بين طياتها من تيسيرات ومرونة وملائمة لم تتضمنها أية اتفاقية أخرى.

وبخصوص هذه الاتفاقية نقول إنه إذا كانت اتفاقية جنيف لسنة 1927 من الاتفاقيات التى ينسب إليها فضل " السبق فى محاولة إيجاد الحلول المناسبة لمشكلة تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية إلا إنها لم تحقق بعد الأهداف المبتغاة من تنظيمها ، ومن جهة أخرى فإنه حال تطبيقها قد يحد من فاعليتها وذلك لاقتصارها على أحكام التحكيم التي تكون نتاجاً لشرط تحكيمي أو مشارطة يتوافر فيها الضوابط الخاصة ببروتوكول جنيف 1923، وأن تكون صادرة من إحدى الدول المتعاقدة ومن أشخاص خاضعين لقضائها.

وتلافياً لهذه المثالب وغيرها التى كشف عنها النمو المطرد والتطور المذهل للعلاقات الاقتصادية الدولية ، فقد تقدمت غرفة التجارة الدولية بمشروع يوائم متطلبات التجارة الدولية الحديثة إلى المجلسين الاقتصادى والاجتماعى لمنظمة الأمم المتحدة التى أحالت بدورها المشروع إلى لجنة لدراسته ووضع مشروع نهائى لاتفاقية دولية فى شأن الاعتراف بقرارات المحكمين وتنفيذها



ولما فرغت اللجنة من إعداد المشروع تولى المجلسان الدعوة إلى مؤتمر دبلوماسى لدراسته وإقراره، وفي تاريخ 10 يونيو 1958 أقر المؤتمر المشروع بعد أن أدخل عليه تعديلات كبيرة جعلته وسطاً بين الاتفاقية القديمة ومشروع الغرفة التجارية ، وصارت هذه الاتفاقية نافذة منذ السابع من يونيو 1959 ، وانضمت إليها مصر فى التاسع من مارس عام 1959 



ودراسة الأحكام الخاصة باتفاقية نيويورك للاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها تتطلب منا التعرض لمزايا وخصائص اتفاقية نيويورك فى فرع أول ؛ على أن نتبعه بدراسة إجراءات استصدار الأمر بالتنفيذ والجهة المختصة بمنحه ؛ وذلك في فرع ثانٍ ، وذلك على النحو التالى :

الفرع الأول : مزايا وخصائص اتفاقية نيويورك 1958.

الفرع الثانى : إجراءات التنفيذ وفقاً للاتفاقية.

الفرع الأول 
مزايا وخصائص اتفاقية نيويورك 1958

إن المتتبع لمجال تطبيق اتفاقية نيويورك 1958 سيقف بجلاء ووضوح على مدى أهميتها على الساحة الدولية ، وعلى أهم المزايا التى تمتعت بها هذه الاتفاقية وأضفت عليها قوة ومرونة ؛ ومنها:

1ـ عالمية الاتفاقية:

تتميز اتفاقية نيويورك لعام 1958 بأنها اتفاقية عالمية ومفتوحة ، وذلك لان الانضمام إليها متاح لكل دول العالم الأعضاء فى الأمم المتحدة أو أجهزتها أو الذين سيصبحون كذلك 

 وبهذه العمومية تتميز اتفاقية نيويورك عن غيرها من الاتفاقيات الإقليمية مثل اتفاقية جنيف للتحكيم التجاري الدولي لعام 1961 والمقصورة على الدول الأوروبية ، وكذلك اتفاقية جامعة الدول العربية لعام 1952 والتى يقتصر الانضمام إليها على الدول العربية فقط 





2ـ اتساع نطاق تطبيقها:

تتميز كذلك نصوص اتفاقية نيويورك لعام 1958 بتوسيع دائرة ما يعتبر حكماً أجنبياً ، حيث يعتبر الحكم أجنبياً حتى لو كان صادراً من الدولة نفسها التى يراد تنفيذه فيها إذا كان هذا الحكم لا يمكن اعتباره حكم تحكيمٍ وطني وفقاً لقانون هذه الدولة.

وينظم هذه الحالة الفقرة الأولى من المادة الأولى من الاتفاقية 

والتى تقضى بأن تطبيق الاتفاقية الحالية للاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الصادرة فى إقليم دولة غير الدولة التى يطلب إليها الاعتراف وتنفيذ هذه الأحكام على إقليمها وتكون ناشئة عن منازعات بين أشخاص طبيعية أو معنوية ، كما تطبق أيضاً على أحكام المحكمين التى لا تعتبر وطنية فى الدولة المطلوب إليها الاعتراف أو تنفيذ هذه الأحكام.

كما تسرى أحكام هذه الاتفاقية ووفقاً للفقرة الأولى من المادة الأولى كذلك على تنفيذ أحكام التحكيم الصادرة فى منازعات ناشئة من علاقات بين أشخاص طبيعيين أو اعتباريين.

كما تسرى أحكام هذه الاتفاقية كذلك سواء كان النزاع الذى صدر حكم التحكيم بشأنه ناشئاً عن علاقة تعاقدية مدنية كانت أم تجارية ، أو غير تعاقدية ، وأخيراً فإن أحكام هذه الاتفاقية كذلك تسرى سواء كان القرار صادراً فى أعقاب تحكيم خاص أم تحكيم تتولاه منظمة دائمة



3ـ ملائمة الاتفاقية لظروف كل دولة :

من أهم ما يميز هذه الاتفاقية _كذلك_ ملائمتها لظروف كل دولة ، حيث حرصت الاتفاقية على مراعاة ما بين الأنظمة القانونية من تفاوت وتباين بغية ألا تغلق باب الانضمام إليها من قِبل بعض الدول من جهة ، وأن تنال رضاء وإعجاب كافة الدول من جهة أخرى ، لذا فقد أوردت بعض التحفظات مع إتاحة الفرصة لكل دولة عند التصديق عليها مخالفة القاعدة الأصلية التى ورد التحفظ بشأنها


 (وبالتالى يجوز لكل دولة عند التصديق على الاتفاقية أو الانضمام إليها أن تعلن أنها لن تلتزم بتطبيق أحكام الاتفاقية إلا إذا كان قرار التحكيم المطلوب منها تنفيذه صادراً فى دولة متعاقدة 

إلا أن استخدام مكنة التحفظات من قِبل بعض الدول ليس بمطلق ، بل هو مقيد بإعمال الهدف المنشود من وراء تنظيمها ، ولذلك فإن المادة الرابعة عشرة من الاتفاقية تقرر بأنه لا يجوز لإحدى الدول المتعاقدة أن تحتج بنصوص هذه الاتفاقية فى مواجهة دولة أخرى متعاقدة إلا بالقدر الذى ارتبطت به هى فى الاتفاقية ، وعليه فإنه إذا استخدمت إحدى الدول المتعاقدة التحفظ ، فإنه يجوز للدول المتعاقدة الأخرى ـ غير المستخدمة له ـ معاملتها على أساس القاعدة معدلة بالتحفظ الذى أدخل عليها، وذلك إعمالاً لمبدأ المعاملة بالمثل 

4ـ عدم مصادرتها لأية تيسيرات أكثر سخاءً تقرها اتفاقية أو تشريعات أخرى أبرمتها أو ستبرمها إحدى الدول المتعاقدة :

رغبة فى تيسير وتسهيل تنفيذ أحكام التحكيم الدولية ، فإن الفقرة الأولى من المادة السابعة من الاتفاقية تقرر بأنه لا تخل أحكام هذه الاتفاقية الجماعية أو الثنائية التى أبرمتها الدول المتعاقدة بشأن الاعتراف بأحكام المحكمين وتنفيذها ، ولا تحرم أى طرف من حقه فى الاستفادة بحكم من أحكام المحكمين بالكيفية وبالقدر المقرر فى تشريع أو معاهدات البلد المطلوب إليها الاعتراف والتنفيذ


وبالتالى ووفقاً لهذا النص إذا وقعت إحدى الدول الموقعة على اتفاقية نيويورك على معاهدة أخرى جماعية كانت أم ثنائية ، فإنه لا يجوز لها رفض الاعتراف باتفاق التحكيم أو حكم التحكيم استناداً إلى تخلف أحد الشروط الواردة فى الاتفاقية طالما أن المعاهدة الأخرى التى وقعت عليها أو التشريع الآخر الذى وضعته لا يتطلب توافر الشرط 


.

وبالتالى فإن هذه الاتفاقية لم تقتصر على ما استحدثته من تيسيرات بل أجازت الاستفادة من أية تيسيرات أخرى أكثر سخاءً تقرها تشريعات أو اتفاقيات أخرى أبرمتها أو ستبرمها الدول الموقعة عليها ، وهذا هو أحد الأسباب التى لم تجعل هذه الاتفاقية تتأثر بمرور الزمن 



5ـ إعفاء طالب التنفيذ من عبء الإثبات :

إذا كانت القاعدة فى الإثبات أنه يقع على عاتق المدعى ، فإن اتفاقية نيويورك لعام 1958 لتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية قد قلبت الأمور رأساً على عقب ، بغية تسهيل تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، بحيث أصبح حكم التحكيم الدولى يحمل دليل صحته دون حاجة لإخضاعه لشكليات أو مصادقات ....إلخ.

وبالتالى فقد جعلت هذه الاتفاقية أن الأصل هو قابلية الحكم للتنفيذ مفترضة توافر كافة الشروط اللازمة لتنفيذه ، وألقت على عاتق من يريد المعارضة فى التنفيذ عبء إثبات إحدى حالات الرفض التى حددتها على سبيل الحصر ، وينظم هذه الميزة المادة الخامسة من الاتفاقية.

6ـ تقريبها من أحكام التحكيم الأجنبية وأحكام التحكيم الوطنية :

إذا كانت غالبية الدول قد دأبت على إخضاع تنفيذ أحكام التحكيم الداخلية لشروط أيسر وأسهل من تلك التى يخضع لها تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية أو الدولية ، فإن اتفاقية نيويورك قد حرصت على تضييق هوة الخلاف بينهما ـ وإن كانت لم تصل بعد إلى حد التسوية بينهما ـ وذلك إعمالاً لمبدأ ما لا يدرك كله لا يترك كله ، وينظم هذا الحكم الفقرة الثانية من المادة الثالثة من الاتفاقية التى تقضى بأنه لا تفرض للاعتراف أو تنفيذ أحكام المحكمين التى تطبق عليها أحكام الاتفاقية الحالية شروط أكثر شدة ولا رسوم قضائية أكثر ارتفاعاً بدرجة ملحوظة من تلك التى تفرض للاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الوطنين



7 ـ إسناد إجراءات التنفيذ لقانون القاضى :

إن من أهم مزايا اتفاقية نيويورك كذلك أنها لم تحدد الإجراءات الواجبة الإتباع للاعتراف بحكم التحكيم الأجنبى أو تنفيذه ، حيث تركت مهمة تحديدها لقانون الدولة التى سيجرى التنفيذ على إقليمها ، واتباع الاتفاقية لهذا النهج ليس بغريب ، فإسناد هذه المهمة لقانون القاضى ما هو إلا إعمال لقاعدة من قواعد القانون الدولى الخاص المستقرة فى مختلف الدول.

ولذا فإن الفقرة الأولى من المادة الثالثة من الاتفاقية تقرر أن تعترف كل من الدول المتعاقدة بحجية حكم التحكيم وتأمر بتنفيذه طبقاً لقواعد المرافعات المتبعة فى الإقليم المطلوب إليه التنفيذ وطبقاً للشروط المنصوص عليها فى المواد التالية.



الفرع الثاني
إجراءات التنفيذ وفقاً للاتفاقية

أولا : ميعاد استصدار الأمر بالتنفيذ :

بخصوص ميعاد طلب الأمر بالتنفيذ فنظراً لأن اتفاقية نيويورك لعام 1958 لم تحدد مدة يتقادم فيها طلب تنفيذ حكم التحكيم الأجنبى فإنه يرجع فى هذه الحالة إلى قانون القاضى ، ووفقاً لقانون المرافعات الكويتي الزى لم يحدد هو الآخر ميعاداً لطلب الأمر بتنفيذ حكم التحكيم الأجنبى ، وبالتالى فإمكانية طلب الأمر بتنفيذه تخضع للقواعد العامة التى تقرر بأنه بإمكان من صدر لصالحه حكم التحكيم فى الخارج أن يتقدم للحصول على أمر بتنفيذه فى الكويت طالما لم يسقط الحكم بالتقادم 



ونظراً إلي أن نصوص الاتفاقية لم تعمد من البداية إلى إعمال التسوية المطلقة بين أحكام التحكيم الوطنية وأحكام التحكيم الأجنبية ، وإنما حرصت على تقريب الفجوة بينهما مكتفية بوضع قاعدة الإسناد الموحدة ، خضوع الإجراءات لقانون القاضى ـ التى تتيح الفرصة لبعض الدول فى التوسع بطريقة غير محسوسة فى مفهوم الإجراءات التى تخضع لقانونها الداخلى فى إضافة شروط جديدة لتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، غير تلك التى حددتها المادة الخامسة من الاتفاقية ، مما يترتب عليه اختلاف الأحكام من دولة لأخرى .

أما بالنسبة لإجراءات استصدار الأمر بتنفيذ حكم التحكيم فنظراً لأننا بصدد حكم أجنبى ، لا يخضع لقانون المرافعات المدنية والتجارية الكويتي ، فإنه يخضع لأحكام المادة 199 منه ، والتي تقضى بأن يقدم طلب الأمر بالتنفيذ إلى المحكمة الابتدائية التى يراد التنفيذ فى دائرتها ، وذلك بالأوضاع المعتادة لرفع الدعاوى .

أما فيما يتعلق بأشخاص خصومة الأمر بالتنفيذ وموضوعها فهذه أمور سوف نعالجها بمناسبة الكلام عن تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية وفقاً لقانون المرافعات .

ثانيا : الجهة المختصة ومنح الأمر بالتنفيذ :

نظراً إلي أن اتفاقية نيويورك لم تقم بتحديد الإجراءات الواجبة الإتباع للاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها، حيث تركت تلك المهمة لقانون الدولة التى سيجرى التنفيذ على إقليمها إعمالاً لمبدأ خضوع الإجراءات لقانون التقاضي ، فإنه فى حالة رغبة من صدر حكم التحكيم لصالحه فى تنفيذه فى جمهورية مصر العربية ، فإن قانون المرافعات المصرى هو الذى سيتولى فى هذه الحالة تحديد إجراءات تنفيذه .

وبخصوص تحديد الجهة المختصة بمنح الأمر بالتنفيذ ، فوفقاً للمادة 199 من قانون المرافعات الكويتي ، فإن طلب الأمر بالتنفيذ يقدم إلى المحكمة الابتدائية التى يراد التنفيذ بدائرتها ، وذلك بالأوضاع المعتادة لرفع الدعاوى، وعليه فإن المحكمة المختصة نوعياً بنظر هذه الدعوى ستكون المحكمة الابتدائية أياً كانت قيمة الحكم المراد تنفيذه ودون اعتداد بالقانون الأجنبى الذى صدر الحكم وفقاً لأحكامه ، وذلك نظراً لأهمية المسائل التى تثار بمناسبة إصدار الأمر ودقتها 







اتفاقيه نيويورك 1958 بشأن تنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية


 اتفاقيه نيويورك 1958 بشأن تنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية



أخذ كبار الحقوقيين في العالم يبحثون عن تحقيق خطوة تالية بعد اتفاقية جنيف لسنة 1927 م على طريق التحكيم التجاري الدولي تعفي سلطان الإرادة في هذا التحكيم من القيود التي يفرضها التحكيم الداخلي في كل بلد.


ولتحقيق هذه الغاية ومن أجل وضع قواعد دولية جديدة تسهل الاعتراف بأحكام التحكيم وتُعجل في تنفيذها، تبنى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لهيئة الأمم المتحدة مشروعاً جديداً لاتفاقية دولية وقرر في عام 1956 عقد مؤتمرا دوليا لإقرار اتفاقية دولية جديدة حول الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية بدلا عن اتفاقية تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ( جنيف 1927 ).و أنعقد المؤتمر في نيويورك بتاريخ 30 آذار مارس عام 1958 وخلُصت مناقشات المشاركين 
القانونيين ومندوبي الدول في 10 حزيران يونيو 1958 إلى إقرار اتفاقية جديدة بشأن الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية والمعروفة باسم " اتفاقية نيويورك 1958 ". وبتاريخ 7/6/1959 دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ .


لقد لاقت اتفاقية نيويورك إقبالاَ واسعاَ للانضمام إليها من مختلف البلدان  حيث بلغ عدد الدول الأعضاء في هذه الاتفاقية  حتى منتصف العام الجاري 2010(142) دولة منها (15) دولة عربية هي ( الأردن ، الإمارات ، البحرين ، تونس، الجزائر ، سوريا ، جيبوتي ، عُمان ، قطر ، الكويت ، لبنان ، مصر ، المغرب ، المملكة العربية السعودية ، موريتانيا ) . 
  

نصت اتفاقية نيويورك في المادة (3) منها على أن " تعترف كل الدول المتعاقدة بحجية حكم التحكيم ، وتأمر بتنفيذه طبقاً لقواعد المرافعات المتبعة في الاقليم المطلوب إليه التنفيذ ، وطبقاً للشروط المنصوص عليها في المواد التالية " .

 
وبذلك تكون اتفاقية نيويورك قد أحالت تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي إلى قواعد المرافعات في بلد التنفيذ ،

ولكنها أضافت إلى ما كان عليه الحال في اتفاقية جنيف 1927م تكملة أساسية وجوهرية وفرت لحكم التحكيم الدولي فرصاً أفضل للتنفيذ ، إذ نصت " ولا تفرض للاعتراف أو تنفيذ أحكام المحكمين التي تطبق عليها أحكام الاتفاقية الحالية شروطاً أكثر شدة ولا رسوماً قضائية أكثر ارتفاعاً بدرجة ملحوظة من تلك التي تفرض للاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الوطنيين " . 


إن اتفاقية نيويورك وهي تقر بتنفيذ الأحكام التحكيمية الأجنبية وفقاً لقواعد المرافعات المطبقة في البلد المطلوب التنفيذ فيه ، إنما تكون قد حالت بهذا النص أي تفريق بين حكم التحكيم الأجنبي وحكم التحكيم الداخلي ، فوجود هذا النص الذي أصبح يطبق على حكم التحكيم الداخلي هو نفس ما يطبق على حكم التحكيم الأجنبي من قواعد للتنفيذ أي أن اتفاقية نيويورك حققت مساواة أحكام التحكيم الداخلية بأحكام التحكيم الأجنبية . 


وبموجب اتفاقية نيويورك فإن أحكام التحكيم لا تقتصر على تحكيمات الحالات الخاصة (ad hoc) فحسب بل تشمل كذلك التحكيمات التي تتم لدى مراكز ومؤسسات التحكيم الدائمة ، حيث نصت الاتفاقية على أنه " يقصد بأحكام المحكمين ليس فقط الأحكام الصادرة من  محكمين معينين للفصل في حالات محددة بل أيضا الأحكام الصادرة من هيئات تحكيم دائمة يحتكم إليها الأطراف ( م.1-2) 
·  
أهم القواعد التي جاءت بها اتفاقية نيويورك تتلخص بالأتي:-
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

1-  معيار التفرقة بين حكم التحكيم الوطني وحكم التحكيم الأجنبي هو مكان صدور حكم التحكيم ، حيث ورد في المادة (1/1) من الاتفاقية ما يفيد " أن الحكم يعتبر أجنبيا إذا كان قد صدر في إقليم دولة أخرى غير الدولة التي يطلب منها الاعتراف وتنفيذ الحكم المذكور " . وجاء كذلك في معيار أخر وهو " إذا كان حكم التحكيم لا يعتبر من الأحكام الوطنية في الدولة المطلوب فيها الاعتراف وتنفيذ ذلك الحكم " . 

2.  الاتفاقية تطبق لدى دولة متعاقدة على"أحكام المحكمين التي صدرت في أراضي دولة أخرى متعاقدة متى كانت ناشئة عن منازعات بين أشخاص طبيعية
 أو اعتبارية" (م1-1).

3.  اتفاق التحكيم وفق هذه الاتفاقية، مشروط بأن يكون مكتوباً ... بصدد منازعات ناشئة عن علاقة قانونية تعاقدية أو غير تعاقدية، تتصل بموضوع يمكن تسويته عن طريق التحكيم... واتفاق التحكيم بمفهوم الاتفاقية شرط يرد في عقد أو اتفاق لاحق موقع عليه من الطرفين، أو وارد في رسائل أو برقيات متبادلة بينهما.(م2) .


4.  الاتفاقية لا تفرض على الاعتراف بأحكام التحكيم وتنفيذها شروطاً أكثر تشدداً أو أعباء أعلى بكثير مما يفرض على الاعتراف بأحكام التحكيم المحلية أو على تنفيذها .(م3) .



5.  إن أحكام هذه الاتفاقية لا تؤثر على صحة ما تعقده الأطراف المتعاقدة من اتفاقيات (متعددة أو ثنائية) تتعلق بالاعتراف بأحكام التحكيم وتنفيذها، ولا تحُرم أي طرف من حق الاستفادة من أي حكم تحكيم يسمح به قانون الدولة المتعاقدة أو المعاهدات الدولية التي تكون الدولة طرفاً فيها والذي يسعى فيه إلى الاحتجاج بهذا لحكم.(م7) .


6.  عدم إعطاء أي دولة متعاقدة الحق في استخدام هذه الاتفاقية في مواجهة أية دولة متعاقدة أخرى، إلا بقدر التزامها هي بتطبيق الاتفاقية .(م14) .

التحفظات التى تضعها الدوله المنضمة 
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

7.  بموجب الاتفاقية، يحق لكل دولة عند التوقيع أو التصديق عليها أو الانضمام إليها " أن تصُرح على أساس المعاملة بالمثل أنها ستقصر تطبيق الاتفاقية على الاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الصادرة على إقليم دولة أخرى متعاقدة ".


8.  وتجيز الاتفاقية لكل دولة، أن تصُرح عند انضمامها، بأنها" ستقصر الاتفاقية على المنازعات الناشئة عن روابط القانون التعاقدية أو غير التعاقدية التي تعتبر تجارية وفقاً لقانونها الوطني" (م1-3) .
استبعاد قضايا الأحوال الشخصيه  او قضايا العمل 
معيار التجاريه يعتمد على القانون الداخلى للدوله المطلوب تنفيذ قرار التحكيم فى أراضيها 


9.  حددت الاتفاقية في المادة الخامسة منها حصراَ بالحالات التي يمكن
من خلالها رفض الاعتراف وتنفيذ حكم التحكيم الأجنبي .
،،،،،،،،ً،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

وهذه الحالات تقسم إلى قسمين: 
الأول منها هي الحالات التي يتم فيها رفض الاعتراف والتنفيذ للحكم بناء على طلب الخصم الذي صدر ضده حكم التحكيم وذلك إذا اثبت تحقق إحدى الحالات التاليه : 

١-· أن أطراف اتفاق التحكيم كانوا طبقاً للقانون الذي ينطبق عليهم عديمي الأهلية أو أن الاتفاق المذكور غير صحيح وفقاً للقانون الذي أخضعه له الأطراف أو عند عدم النص على ذلك طبقاً لقانون البلد الذي صدر فيه الحكم (م.5-1-أ )؛

٢--اوأن الخصم المطلوب تنفيذ الحكم عليه لم يعلن إعلاناً صحيحاً بتعيين المحكم أو بإجراءات التحكيم أو كان من المستحيل عليه لسبب آخر أن يقدم دفاعه (م.5-1-ب )؛ 

٣--او·  أن الحكم فصل في نزاع غير وارد في مشارطة التحكيم أو في عقد التحكيم أو تجاوز حدودهما فيما قضى به . ومع ذلك يجوز الاعتراف وتنفيذ جزء من الحكم الخاضع أصلاً للتسوية بطريقة التحكيم إذا أمكن فصله عن باقي أجزاء الحكم غير المتفق على حلها بهذا الطريق (م.5-1-ج ) 

٤--او أن تشكيل هيئة التحكيم أو إجراءات التحكيم مخالف لما اتفق عليه الأطراف أو لقانون البلد الذي تم فيه التحكيم في حالة عدم الاتفاق (م.5-1-د )

٥--او·  أن الحكم لم يصبح ملزماً للخصوم أو ألغته أو أوقفته السلطة المختصة 
في البلد التي فيها أو بموجب قانونها صدر الحكم.(م.5/1-هـ ) 


أما القسم الثاني
متروك المحكمه المختصة 
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
،،،،،،،،،،،،،،،،،،ًًًًً،،،،،،،،،،،،،،،،،،
من حالات رفض الاعتراف وتنفيذ حكم التحكيم الأجنبي التي نصت عليها الاتفاقية فقد تُركت لتقدير المحكمة المختصة حيث يمكنها رفض الاعتراف وتنفيذ حكم التحكيم الأجنبي إذا تبين لها :
١---- أن قانون ذلك البلد لا يجيز تسوية النزاع عن طريق التحكيم ،

٢---او أن في الاعتراف بحكم المحكمين أو تنفيذه ما يخالف النظام العام في هذا البلد. (م-5/2) .


كما يمكن لمن صدر حكم التحكيم ضده التذرع بهذين السببين. وأي حالة تتحقق من الحالات التي أوردناها فيما سبق فإن قاضي التنفيذ لدى المحكمة المختصة في البلد التي يطلب إليها الاعتراف بالحكم التحكيمي وتنفيذه يكون هذا القاضي مُلزما بالامتناع عن إعطاء صيغة التنفيذ أو الاعتراف بهذا الحكم.


وهكذا يلاحظ أن من بين أهم ما جاءت به اتفاقية نيويورك ، أنها قلبت قواعد الاثبات ونصت على عدم جواز رفض وتنفيذ حكم التحكيم الأجنبي إلا إذا قدم المنفذ ضده للمحكمة المختصة في الدولة المطلوب إليها الاعتراف والتنفيذ دليلاً وإثباتاً يهدم حكم التحكيم

. وقد حددت هذه الحالات على سبيل الحصر .
فأصبح بذلك حكم التحكيم الأجنبي قائماً بذاته يحمل طابع التنفيذ ولا يشترط في من يطلب تنفيذ الحكم التحكيمي سوى أن يرفق بطلبه
أصل الحكم أو صورة منه وأصل اتفاق التحكيم " شرط او مشارطه "أو ما  تضمنته الخطابات أو البرقيات المتبادلة أو صورة تجمع الشروط المطلوبة لرسمية السند
وكذا ترجمة هذه المستندات والأوراق إلى لغة الدولة الرسمية المطلوب إليها تنفيذ حكم التحكيم . وبذلك يصبح الحكم التحكيمي الدولي يحمل صحته ، دون حاجة لإخضاعه لأية شكليات أو إجراءات أو مصادقات . 


والاعتراف بحكم التحكيم  وفقاً لمقاصد اتفاقية نيويورك ، لا يعني إكراه من صدر الحكم ضده على تنفيذ مضمون الحكم ، بل بأن تعترف السلطة القضائية ممثلة بقاضي التنفيذ في المحكمة المختصة بهذا الحكم ، واعترافها يعني في المقام الأول والأخير أن هذا الحكم يعتبر إلزامي وأن له قوة الأمر المقضي وأن النقاط التي حسمها حكم التحكيم الأجنبي لا يجوز إعادة بحثها لا من القضاء ولا من التحكيم 
·

إبطال حكم التحكيم المخالف للنظام العام : 
أصبح موضوع النظام العام في الوقت الراهن يطرح من زاوية التحكيم الداخلي الذي يختلف عن التحكيم الدولي ، فإذا كان التحكيم الداخلي يتعلق بموضوع التجارة الداخلية فإن التحكيم الدولي يجاوز حدود الدول وتتعدد فيه الجنسيات والبلدان ويضع في الميزان مصالح التجارة الدولية . 


نصت اتفاقية نيويورك على أنه يحق للمحكمة المختصة إبطال حكم التحكيم إذا تبين لها أن حكم التحكيم يتعارض مع السياسة العامة لهذه الدولة حيث جاء في المادة (5/2/ب )  من الاتفاقية "يجوز للسلطة المختصة في البلد المطلوب إليها الاعتراف وتنفيذ حكم المحكمين أن ترفض الاعتراف والتنفيذ إذا تبين لها : ...

 
ب- أن في الاعتراف بحكم المحكمين أو تنفيذه ما يخالف النظام العام في هذا البلد " 
يقول الدكتور / عبدا لرزاق السنهوري في شرح مفهوم النظام العام :

 
(( المسألة لا يجدي فيها نص تشريعي، وهي من أكثر المسائل القانونية تعقيداً فنحن نريد أن نعرف ما إذا كانت قاعدة قانونية معينة تتعلق بنظام المجتمع الأعلى ، حتى يخضع لها الجميع ولا يجوز لأحد أن يخالفها ، أو هي قاعدة اختيارية ، لا يهم المجتمع ان يأخذ بها كل الناس ، وكل شخص حر في إتباعها أو في تعديلها كما يشاء . 


وما هو هذا النظام الأعلى للمجتمع الذي يتحتم على كل عضو عدم الخروج عليه ؟ يوجد دون شك من القواعد القانونية ما يحقق مصلحة عامة تمس النظام الأعلى للمجتمع . وهذه المصلحة أما أن تكون سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو خلقية . والمصلحة الخلقية هي التي تقوم عليها الآداب العامة ، ومن ذلك نرى أن دائرة النظام العام واسعة فهي تشمل الآداب . 

فمثل المصلحة السياسية ما تقوم عليه روابط القانون العام من دستورية وإدارية ومالية ، فان أكثر روابط هذا القانون تعتبر من النظام العام . وكذلك المصلحة الاجتماعية وما تقوم عليه قواعد القانون الجنائي، ومن هذه القواعد أيضا ما يحقق مصلحة عامة خلقية . وهناك من روابط القانون الخاص ما يحقق مصلحة عامة اجتماعية كما في كثير من القواعد القانونية المتعلقة بالعمل ، أو مصلحة عامة اقتصادية كما في القواعد التي تجعل التنافس حر مفتوحا بابه للجميع . 


ونرى من ذلك أن النظام العام والآداب هما الباب الذي تدخل منه العوامل الاجتماعية والاقتصادية والخلقية ، فتؤثر في القانون وروابطه ، وتجعله يتماشى مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية والخلقية ، وتتسع دائرة النظام العام والآداب او تضيق تبعا لهذه التطورات ، وطريقة فهم الناس لنظم عصرهم ، وما توافقوا عليه من آداب ، وتبعا لتقدم العلوم الاجتماعية . 
كل هذا يترك للقاضي ، يفسره التفسير الملائم لورح عصره ، فالقاضي يكاد إذن يكون مشرعاً في هذه الدائرة المرنة ، بل هو مشرع يتقيد بآداب عصره ونظم امته الأساسية ومصالحها العامة )) .