الاثنين، 25 مايو، 2009

ما يجب ان تعرفة عن التحكيم..دراسة مقارنة




التحكيم

التحكيم , تلك الكلمة التي قد يظن كثيرا من العامة والخاصة أنها مصطلح جديد لنظام جديد لهذا العصر الحديث , إنما هي كلمة ومصطلح ونظام قد عرفه الإسلام قبل ما يربو على 1400 سنة .

فقد ذكره القرآن الكريم وعرفه العرب قبل الإسلام كما مارس المسلمون الأولون التحكيم على نطاق واسع باعتباره وسيلة ناجحة لحل المنازعات في جميع الأمور . هذا ولقد أدرك العالم اليوم ومعظم الدول ما لهذا النظام من أهمية خاصة لنوعية من النزاعات التي يتميز بها هذا العصر .

فلقد ارتبط نمو المعاملات الدولية والمحلية في القرن الحالي بتزايد اللجوء إلى التحكيم كطريق لحل المنازعات حتى أنه أصبح سمة بارزة في المعاملات المحلية والدولية وقد ساعد على انتشار التحكيم رغبة المتعاملين في التحرر بقدر الإمكان من القيود التي تفرضها النظم القانونية للتقاضي بالقدر الذي يحقق لهم سرعة الفصل في المنازعات عموما وخاصة المنازعات التجارية , تلك المنازعات التي يتعين الفصل فيها في أقصر وقت ممكن حتى تستقر المراكز القانونية بين المتنازعين وبأقل قدر ممكن من العلانية والنشر وبإجراءات مبسطة تتيح في مجملها احتواء النزاع في أضيق نطاق , أضف إلى ذلك توافر التخصص المهني لدي الأشخاص الذين يناط بهم حل تلك المنازعات التي تتسم بالتعقيدات في المعاملات المدنية والتجارية عموما والمعاملات الدولية خاصة وما يرتبط بها من أمور فنية وعادات وأعراف ومصطلحات تحتاج للوقوف على فحواها والكشف عن مقدار تعلقها بالنزاع ومدي أثرها على حقوق المتنازعين إلى تخصصات فنية دقيقة . يتم اختيارهم عادة بمعرفة أصحاب الشأن في النزاع ويرتضون بما ينتهون إليه من أحكام تحسم النزاع .

أولاً: مفهوم اتفاق التحكيم

- بوجه عام



تنقسم قوانين الدول العربية محل البحث، في تنظيم أحكام التحكيم من حيث الشكل إلى قسمين: قسم نظم هذه الأحكام في قانون أصول المحاكمات المدنية، وقسم آخر نظمها في قانون مستقل. ومثال القسم الأول المشرع السوري (الباب الرابع: المواد 506-534)، والمشرع اللبناني (الكتاب الثاني، الباب الأول: المواد 762-821)، والمشرع الإماراتي (الباب الرابع: المواد 203-218)، والمشرع القطري (الباب الثالث عشر من قانون المرافعات المدنية والتجارية المواد 190-210). ومثال القسم الثاني قوانين مصر والأردن وعمان وفلسطين. فقد تم تنظيم التحكيم في مصر بالقانون رقم 27 لسنة 1994، وفي الأردن بالقانون رقم 31 لسنة 2001، وفي عُمان بالمرسوم السلطاني رقم 47 لسنة 1997، وفي فلسطين بالقانون رقم 3 لسنة 2000.



ومن الملاحظ على هذه القوانين، وعلى التحديد قوانين الدول التي أفردت للتحكيم تشريعا خاصا به، تشابه أحكامها إلى درجة التطابق في كثير من الأحيان. فمن حيث الشكل، يرجع هذا التشابه بالدرجة الأساسية إلى مصدر هذه القوانين، وهو القانون النموذجي Model Law الذي أعدته لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية(اليونسترال –UNCITRAL ) سنة 1985(1). فالقانون المصري مستمد بمجمله من القانون النموذجي(2). والقوانين العربية الأخرى (عُمان وفلسطين والأردن) مستمدة بالدرجة الأساسية من القانون المصري. ومن حيث الموضوع، يرجع هذا التشابه إلى أن كافة قوانين الدول العربية محل البحث، بل أيضا القانون النموذجي لليونسترال، أعطت لإرادة الأطراف الدور الأول والكبير في العملية التحكيمية(3). فهذه القوانين تتفق ابتداء على أن مصدر التحكيم هو اتفاق الأطراف عليه، وبغير هذا الاتفاق لا توجد إحالة إلى التحكيم. كما تتفق على أن تشكيل هيئة التحكيم يتم أيضا، كقاعدة عامة، باتفاق الأطراف مباشرة أو بصورة غير مباشرة، كما أن إجراءات التحكيم تخضع ابتداء لاتفاق الأطراف. بل أن الاتفاق قد يتدخل أيضا في حكم التحكيم، كأن يتفق الأطراف على ضرورة صدور هذا الحكم بالإجماع وليس بالأغلبية، أو يتفقوا بعد صدور الحكم على عدم الطعن به، على الأقل بالنسبة لبعض حالات الطعن (وليس كلها).



ولكن، بالمقابل، تختلف قوانين الدول العربية فيما بينها حول بعض تفاصيل التحكيم، مما يترتب عليه حكما اختلاف التطبيق في بعض الدول عنه في دول أخرى. ومثال ذلك أن القانون المصري، وعلى غراره كل من القانون العماني والفلسطيني والأردني، تنص صراحة على استقلالية شرط التحكيم عن العقد المتضمن فيه، وهو ما سنبينه فيما بعد. وقوانين هذه الدول متشابهة حول هذا المبدأ مما يترتب عليه تشابه الاجتهاد الفقهي أو القضائي بشأنه. ولكن، هناك قوانين أخرى، مثل سوريا والإمارات وقطر؛ لا تنص على هذا المبدأ، مما يعني تطبيق القواعد العامة، وتقضي بعدم استقلالية شرط التحكيم(4). ومثال ذلك أيضا أن جميع هذه الدول تشترط الكتابة في اتفاق التحكيم، إلا أن قسما منها، مثل مصر وعمان وفلسطين والأردن، تشترط الكتابة لانعقاد الاتفاق، في حين أن الدول الأخرى مثل سوريا ولبنان والإمارات وقطر، نصت على الكتابة لإثبات اتفاق التحكيم وليس لانعقاده(5).



2- نصوص قانونية


لم يعرّف المشرع السوري أو الإماراتي أو القطري اتفاق التحكيم، وإنما اكتفت هذه القوانين بالنص على جواز الاتفاق على التحكيم في نزاع أو نزاعات معينة. وفي هذا الشأن تنص المادة (506) من القانون السوري على انه "يجوز للمتعاقدين أن يشترطوا بصفة عامة عرض ما قد ينشأ بينهم من النزاع في تنفيذ عقد معين على محكم واحد أو أكثر، ويجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين وبشروط خاصة". كما تقضي المادة (190) من القانون القطري على انه "يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين بوثيقة تحكيم خاصة كما يجوز الاتفاق على التحكيم في جميع المنازعات التي تنشأ عن تنفيذ عقد معين". كما تنص المادة 203/1 من القانون الإماراتي على انه "يجوز للمتعاقدين بصفة عامة أن يشترطوا في العقد الأساسي أو باتفاق لاحق عرض ما قد ينشأ بينهم من النزاع في تنفيذ عقد معين على محكم أو أكثر كما يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين بشروط خاصة". وكذلك الأمر بالنسبة للقانون الأردني الذي لم يعرّف اتفاق التحكيم أو التحكيم، إلا انه نص في المادة (3)، على جواز الاتفاق على التحكيم في النزاعات المدنية أو التجارية "بين أطراف من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص أيا كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع، عقدية كانت أو غير عقدية". أما القانون اللبناني فقد فرق بين شرط التحكيم الذي يسميه القانون بالبند ألتحكيمي، ومشارطه التحكيم التي يسميها بالعقد ألتحكيمي. فبالنسبة لشرط التحكيم (البند ألتحكيمي)، نصت المادة (762) على انه يجوز للمتعاقدين أن يدرجوا في العقد التجاري أو المدني المبرم بينهم، بنداً ينص على أن تحل بطريق التحكيم جميع المنازعات القابلة للصلح التي تنشأ عن تنفيذ هذا العقد أو تفسيره. أما العقد ألتحكيمي (مشارطة التحكيم)، فقد عرفته المادة (765) بأنه عقد بموجبه يتفق الأطراف فيه على حل نزاع قابل للصلح ناشئ بينهم، عن طريق تحكيم شخص أو عدة أشخاص. وسنبين فيما بعد الفرق بين شرط التحكيم (البند ألتحكيمي) ومشارطه التحكيم (العقد ألتحكيمي).



وبالنسبة لقانون التحكيم المصري، فقد عرّف اتفاق التحكيم في المادة (10/1) بأنه "اتفاق الطرفين على الالتجاء إلى التحكيم لتسوية كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهما بمناسبة علاقة مباشرة معينة عقدية كانت أو غير عقدية"(6). ويقابل هذا النص المادة (10/1) من القانون العماني(7)، والمادة (5/1) من القانون الفلسطيني(8).



3- عناصر الاتفاق عموماً



والمتفحص بالقوانين العربية المشار إليها، يلاحظ اتفاقها على المبادئ العامة والعناصر الأساسية في اتفاق التحكيم، من حيث ضرورة وجود نزاع حال أو مستقبلي يتم الاتفاق على إحالته إلى التحكيم، وأن يكون هذا النزاع مدنيا بالمعنى الواسع بحيث يشمل المنازعات التجارية بالمعنى الضيق، أو العكس أن يكون النزاع تجاريا بالمعنى الواسع بحيث يشمل المنازعات المدنية بالمعنى الضيق. ويشمل ذلك في بعض القوانين، مثل القانون الأردني، منازعات العقود الإدارية، أو يشملها في قوانين أخرى وفق شروط معينة، مثل موافقة الوزير المختص كما ينص على ذلك القانون المصري. كما تتفق هذه القوانين على اشتراط أهلية التصرف في طرفي الاتفاق لصحة هذا الاتفاق، وعلى عدم جواز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، وجواز أن يكون اتفاق التحكيم في صيغة شرط تحكيم أو اتفاق مستقل، وان يكون موضوع النزاع مما تجوز إحالته للتحكيم، وان تكون العلاقة أو العلاقات القانونية الناشئ عنها النزاع محددة، وجواز أن يكون التحكيم حراً أو مؤسسياً، وجواز الاتفاق على إعفاء هيئة التحكيم من القواعد الإجرائية المطبقة أمام المحاكم، وأن اتفاق التحكيم يجب أن يكون مكتوباً، مع الأخذ بالاعتبار أن الكتابة هي لانعقاد الاتفاق في بعض قوانين هذه الدول، في حين أنها للإثبات في قوانين أخرى. ومن حيث تفسير اتفاق التحكيم، تتفق الاجتهادات القضائية في هذه الدول على أن التحكيم هو طريق استثنائي لتسوية المنازعات، وبالتالي يجب تفسير اتفاق التحكيم تفسيراً ضيقاً.



4- تعريف التحكيم



يقوم التحكيم بمفهومه المبسط على اتفاق طرفي علاقة قانونية معينة في إطار القانون الخاص، على تسوية نزاعهم المالي عن طريق شخص خاص أو أكثر يتم تعيينهم من الطرفين مباشرة أو بطريقة غير مباشرة(9) لإصدار حكم نهائي (ملزم) بشأن هذا النزاع بدلا من القضاء الرسمي(10)، وينفذ هذا الحكم كالأحكام القضائية إذا توفرت فيه الشروط القانونية. ومثال ذلك أن يكون هناك عقد بين (أ) و (ب)، ينصان فيه على أن أي خلاف يتعلق بهذا العقد تتم تسويته بالإحالة إلى التحكيم، ويكون (ج) هو المحكم المنفرد في تسوية هذا الخلاف(11). أو لا يكون هناك اتفاق من هذا القبيل، ولكن يقع خلاف بين (أ) و (ب) فيتفقان على إحالته إلى (ج) كمحكم لتسويته بدلا من اللجوء إلى القضاء. ومثل هذا الاتفاق ملزم لكل من (أ) و (ب) بحيث يجب عليهما تسوية هذا باللجوء إلى (ج) لتسويته وليس إلى القضاء، وإلا ترد الدعوى شكلا. وإذا أحيل الخلاف إلى (ج)، فيتوجب عليه أن يتعامل مع القضية وكأنها قضية محكمة، بحيث يستمع لأقوال وطلبات ودفوع واعتراضات وبينات الطرفين بكل حياد ونزاهة، ومن ثم يصدر حكمه فيها وكأنه حكم قضائي(12) ويصبح هذا الحكم بعد تصديقه من الجهة المختصة، وهي عادة القضاء، قابلاً للتنفيذ كسائر الأحكام القضائية.



5- التحكيم ينزع الاختصاص القضائي




وعلى ذلك، فان اتفاق التحكيم بهذا المفهوم، ينزع من حيث المبدأ الاختصاص من القضاء(13)، ويعطيه لشخص آخر ليصبح هو صاحب الاختصاص بالفصل في النزاع(14). فإذا وجد اتفاق من هذا القبيل، يكون اللجوء إلى التحكيم حق لطرفي النزاع أو لأحدهما حسب الأحوال، وفي الوقت ذاته فانه واجب عليه. ففي مثالنا السابق، إذا وقع خلاف مثلاً بين (أ) و (ب)، وأراد (أ) أن يـأخذ صفة المدعي، فانه يحق له اللجوء إلى التحكيم لتسويته، ويجب على (ب) كمدعى عليه أن يمتثل لذلك. والعكس صحيح أيضا، إذ يجب على (أ) أن يلجأ للتحكيم وليس للقضاء وهذا حق لـ (ب). فإذا لجأ (أ) للقضاء بدلا من التحكيم، كان لـ (ب) الحق بإثارة الدفع بوجود أتفاق تحكيم. وفي هذه الحالة يجب على المحكمة أن تقضي بعدم قبول الدعوى وردها شكلاً(15).



ونزع الاختصاص هذا يكون بصورة أولية وليس بصورة دائمة(16) ، كما انه يكون جزئيا وليس كلياً. فمن جهة، يعود الاختصاص للقضاء في تسوية النزاع ذاته في حال سقوط الاتفاق التحكيم لأي سبب، مثل بطلانه أو فسخه أو التنازل عنه صراحة أو ضمناً. كما أن هناك دوراً كبيراً للقضاء في العملية التحكيمية، مثل تعيين هيئة التحكيم أو احد أعضائها في حال اتفاق الطرفين على ذلك، أو رفض احدهما تعيين محكم عنه، ومثل رد المحكم أو عزله أو تعيين بديل عنه، ومساعدة هيئة التحكيم في التبليغات ودعوة الشهود إذا لزم الأمر. بل أن حكم التحكيم لا يكون قابلا للتنفيذ إلا بأمر من المحكمة المختصة.



6- التحكيم عقد



والتحكيم بالمفهوم المشار إليه، هو عقد كسائر العقود الأخرى سواء ورد في صيغة شرط تحكيم في العقد الأصلي موضوع العلاقة القانونية، أو في صيغة اتفاق مستقل عن هذا العقد، وسواء ورد هذا الاتفاق المستقل قبل أو بعد نشوب النزاع. وهذا يقودنا إلى القول بان اتفاق التحكيم، كعقد، يخضع للقواعد العامة في العقود(17) من حيث انعقاده وإثباته وأثاره وانقضائه، إلا إذا ورد حكم قانوني خاص به، حيث تكون الأولوية في التطبيق عندئذ للقواعد الخاصة(18) .



إلا أن اتفاق التحكيم يختلف عن العقود الأخرى من حيث انه لا يوجد له كيان قائم بذاته، وإنما يرتبط دائما بوجود علاقة قانونية معينة، غالبا ما تكون عقداً من العقود. ولكن يمكن أن تكون هذه العلاقة غير عقدية، من تصرف الانفرادي (الإرادة المنفردة) أو فعل ضار(العمل غير المشروع)، وتصرف نافع (الإثراء بلا سبب)، أو حتى القانون كمصدر مباشر من مصادر الالتزام(19). ولا يتصور وجود اتفاق تحكيم دون وجود تلك العلاقة، وإلا كان العقد في هذه الحالة، أي اتفاق التحكيم، غير ذي موضوع أو محل مما يترتب عليه بطلانه. ونعني بوجود العلاقة، وجودها ولو ماديا وليس بالضرورة الوجود القانوني لها. إذ أنه، كما سنرى فيما بعد، قد يعمل باتفاق التحكيم ويكون هذا الاتفاق صحيحاً، حتى ولو كان العقد المرتبط به الاتفاق باطلاً أو تم فسخه لأي سبب، وهو ما يطلق عليه بمبدأ استقلالية شرط التحكيم عن العقد المتضمن فيه، الذي أخذت بها العديد من القوانين العربية محل البحث.



7- طبيعة اتفاق التحكيم




ومن حيث طبيعة اتفاق التحكيم كعمل قانوني، نجد أن قوانين الدول العربية موضوع البحث قسمت الأعمال القانونية إلى أعمال إدارة وأعمال تصرف، وذلك لغايات أهلية الشخص وخاصة الشخص الطبيعي. والمقصود بأعمال الإدارة، الأعمال التي تهدف لإدارة المال واستثماره أو حمايته مع بقاء ملكيته على اسم الشخص المالك له، بحيث لا يخرج الملك من ذمته. مثل تأجير المال أو إيداعه لدى البنك مقابل فوائد إذا كان من النقود، أو إيداعه تحت يد شخص أمين للمحافظة عليه، أو الاتفاق مع شخص آخر لاستغلال المال وتنميته بأي طريقة من الطرق. أما أعمال التصرف، فيقصد بها الأعمال التي تؤدي إلى خروج المال من ذمة مالكه ودخوله في ملكية شخص آخر، سواء بمقابل مثل البيع، أو بدون مقابل مثل الهبة، أو احتمالية خروجه مثل الرهن. وأعمال التصرف هذه تنقسم إلى تصرفات نافعة نفعا محضا مثل قبول الهبة، أو كفالة دين دون مقابل، وضارة ضررا محضا مثل إعطاء الهبة أو إقراض نقود، أو تقديم كفالة دون مقابل، ودائرة بين النفع والضرر مثل البيع والمقايضة والشركة. ويترتب على هذا التقسيم للأعمال القانونية، آثار هامة بالنسبة للصغير في القوانين العربية، وخاصة بالنسبة لأعمال التصرف. فهذه القوانين تبطل كافة تصرفات الصغير غير المميز وتصرفات الصغير المميز الضارة ضرراً محضاً له. أما تصرفاته النافعة نفعاً محضاً له، فتكون صحيحة، في حين تكون تصرفاته الدائرة بين النفع والضرر موقوفة النفاذ، كل ذلك وفق شروط وأحكام تخرج عن نطاق الدراسة الحالية.



ويثور التساؤل هنا عن طبيعة اتفاق التحكيم كعمل قانوني، ومدى اعتباره احد الأعمال القانونية مما ذكر. وقد أجاب على ذلك القضاء في بعض الدول العربية بقوله أن هذا الاتفاق هو من قبيل التصرفات الدائرة بين النفع والضرر، مما يترتب عليه انه ذا كان احد أطرافه صغيراً مميزاً، فان الاتفاق يكون قابلا للإبطال لمصلحة هذا الصغير(20) إلا أننا لا نؤيد هذا الرأي. ذلك أن المتفحص باتفاق التحكيم، يجد أن موضوعه والهدف منه تسوية نزاع معين يتعلق بعمل من تلك الأعمال (أو بغيرها)، بعيداً عن القضاء الرسمي، واللجوء في تسويته لشخص خاص يتفق عليه كما ذكرنا. فهو إذن ليس من أعمال الإدارة، ما دام انه لا يتعلق بإدارة مال من الأموال عن طريق الاستثمار أو غير ذلك. كما انه ليس من أعمال التصرف، لان موضوعه أو محله ليس التصرف بمال معين. فهو إذن ذو طبيعة خاصة، ويصعب إدراجه تحت أي نوع من الأعمال القانونية مما ذكر.

ثانياً: صور اتفاق التحكيم

8- شرط التحكيم



قد يرد اتفاق التحكيم في صيغة شرط يتم إدراجه في العقد الأصلي الذي ينظم العلاقة القانونية بين الطرفين، وهو ما يكثر تطبيقه في الحياة العملية، ويسمى في هذه الحالة بشرط التحكيم(21). وعادة ما يرد الشرط بصيغة مقتضبة تتضمن فقط الإحالة للتحكيم، كالقول مثلا أن أي خلاف بين طرفي العقد يحال إلى التحكيم. وقد يتوسع الأطراف في ذلك فيضيفون أحكاما أخرى لشرط التحكيم، مثل مكان التحكيم والقانون الواجب التطبيق على النزاع، وصفات ومؤهلات كل أو بعض الأشخاص الذين سيعينون محكمين في هيئة التحكيم، كاشتراط أن يكون رئيس هيئة التحكيم مهندسا، أو محاميا، أو مدقق حسابات، أو يكون اثنين من المحكمين من القانونين في حين يكون رئيس الهيئة مهندسا. كما يجوز أن يتفق الطرفان على جنسية أو جنس وسن كل أو بعض المحكمين، وإن كان ذلك نادرا في التطبيق العملي. وإذا كان التحكيم مؤسسياً(22)، فقد جرت العادة أن تضع مؤسسة التحكيم المعنية صيغة ينصح الأطراف بإدراجها في عقدهم إذا رغبوا بإحالة نزاعهم إلى تلك المؤسسة. وفي هذه الحالة، تتبع قواعد المؤسسة في إجراءات وإدارة التحكيم بما في ذلك تعيين المحكمين.



ويستوي في شرط التحكيم أن يرد في بداية العقد أو نهايته أو في أي مكان آخر بينهما. وعندئذ يخضع أي نزاع ناشئ عن العقد للتحكيم، إلا إذا تبين من الاتفاق صراحة أو ضمنا غير ذلك. ومثاله أن يكون العقد عقد بيع ويتضمن أيضا شرطا يقضي بان يقدم البائع كفالة حسن تنفيذ صادرة عن أحد البنوك، وينص العقد على أن أي خلاف حول الكفالة يحال إلى التحكيم، أو يكون العقد قسمين مستقلين عن بعضهما: الأول – خاص بمقاولة إنشاءات من حيث حقوق والتزامات الفريقين بالنسبة لتنفيذ الأعمال. الثاني – خاص بالكفالات التي يتوجب على المقاول تقديمها لصالح العمل، مثل كفالة السلفة وحسن التنفيذ والصيانة، ويرد شرط التحكيم تحت القسم الأول مما يفهم منه انه خاص بذلك القسم دون الآخر. فالمسألة إذن مسألة تفسير لشرط التحكيم، يتولى أمرها القاضي أو هيئة التحكيم حسب الأحوال.



9- الاتفاق المستقل




وقد لا يرد الاتفاق على التحكيم في صيغة شرط تحكيم بالمفهوم المذكور، وإنما بصيغة اتفاق مستقل عن العقد الأصلي. وعلى غرار شرط التحكيم، فإن مثل هذا الاتفاق قد يكون سابقاً على نشوب النزاع. ومثال ذلك أن لا يتضمن العقد شرط تحكيم، ولكن يتفق الطرفان في عقد مستقل على إحالة خلافاتهما المستقبلية الخاصة بالعقد الأصلي إلى التحكيم. ومثل هذا الاتفاق قد يرافق العقد الأصلي ويلحق به، وقد يكون لاحقا له ولكن قبل نشوب النزاع. وقد نص على هاتين الصيغتين لاتفاق التحكيم، أي شرط التحكيم واتفاقات التحكيم الأخرى السابقة على نشوب النزاع في بعض قوانين الدول العربية محل البحث مثل القانون المصري والأردني(23)، في حين أن قوانين أخرى، مثل القانون القطري، لا تنص على هاتين الصيغتين في اتفاق التحكيم، ولكن يمكن القول أن القواعد العامة لا تشترط صيغة معينة في اتفاق التحكيم أو وقتاً معيناً له، وبالتالي لا تمنع من وجود اتفاق التحكيم في الصيغ المذكورة حسب القانون القطري.



ونرى بأنه لا توجد أهمية للتفرقة بين شرط التحكيم واتفاقيات التحكيم الأخرى السابقة على نشوب النزاع. ولكن يلاحظ هنا أن قوانين بعض الدول العربية، وأحكام القضاء في بعضها الآخر، ذهبت إلى استقلالية شرط التحكيم عن العقد الأصلي المتضمن فيه، كما سنرى بعد قليل. وقد يفهم من ذلك أن هذه الاستقلالية محصورة بشرط التحكيم دون اتفاقيات التحكيم الأخرى، التي تبقى تابعة للعقد الأصلي، مع ما يترتب على ذلك من نتائج قانونية مختلفة سنشير إليها في وقت لاحق. ولكننا لا نؤيد هذا الفهم، وإنما نرى تطبيق مبدأ الاستقلالية على شرط التحكيم، وكذلك على اتفاقيات التحكيم اللاحقة على العقد الأصلي، بما فيها مشارطة التحكيم، لاتحاد العلة، في كل هذه الصيغ في اتفاق التحكيم.



10- الشرط والاتفاق معاً



ومن ناحية أخرى، قد يجتمع شرط التحكيم مع اتفاقية التحكيم اللاحقة له، ولكن السابقة على نشوب النزاع. أي إننا نكون هنا أمام شرط تحكيم وأيضا اتفاقية تحكيم. ومثال ذلك أن يرد في العقد شرط تحكيم. وبعد إبرام العقد، يتفق الطرفان على شروط وأحكام التحكيم المستندة أساساً لشرط التحكيم، مثل مكان ولغة التحكيم وإجراءاته. وبطبيعة الحال، لا يجبر الطرفان على إبرام اتفاقية تحكيم جديدة على هذا النحو. إلا إنهما قد يتفقان على غير ذلك في العقد الأصلي. كالقول مثلا في شرط التحكيم أن خلافاتهما العقدية ستحال إلى التحكيم وفق الأحكام والشروط التي سيتفقان عليها فيما بعد. فإذا اتفقا على ذلك، يسري عليهما هذا الاتفاق. وإن لم يتفقا، فلا يكون شرط التحكيم باطلاً، وإنما يبقى صحيحاً ونافذاً بحقهما. وفي هذه الحالة، يتم مليء الفراغ في شرط التحكيم حسب أحكام القانون التي تكفلت بذلك، مثل تعيين المحكمين والإجراءات أمام هيئة التحكيم وشروط حكم التحكيم وغير ذلك من أحكام. كل ذلك ما لم يتبين من إرادة الأطراف أن إعمال شرط التحكيم، مرتبط بإبرام اتفاق تفصيلي لاحق عليه. وفي هذه الحالة، فان عدم الاتفاق يؤدي إلى عدم نفاذ شرط التحكيم ومن حيث النتيجة إلى سقوطه، وهي مسألة تفسير لشرط التحكيم.



وإذا اجتمع اتفاق التحكيم مع شرط التحكيم على النحو المشار إليه، واستند الأول في وجوده على الثاني، فيترتب على ذلك القول أن اتفاق التحكيم يتبع شرط التحكيم من حيث العدم لا الوجود. بمعنى أنه إذا كان شرط التحكيم باطلاً، أو تم إنهاؤه لأي سبب مثل الفسخ الاتفاق، يسقط تبعاً له اتفاق التحكيم. ولكن العكس غير صحيح، بمعنى أن شرط التحكيم قد يكون صحيحاً ونافذاً في حين يكون اتفاق التحكيم باطلاً. فالطرفان قد يكونا كاملي الأهلية عند إبرام شرط التحكيم، في حين يصبح أحدهما عديم الأهلية عند إبرام اتفاق التحكيم. في هذه الحالة، يكون الأول صحيحاً في حين يكون الثاني باطلاً ، وبطلانه لا يؤثر على شرط التحكيم، لأنه تابع لهذا الشرط وليس العكس.ومع ذلك، يمكن القول بأن العلاقة ما بين شرط التحكيم واتفاق التحكيم المبرم لاحقا له، هي مسألة تفسير لإرادة الأطراف وفقا للظروف. فقد يكون القصد من الاتفاق اللاحق تبعيته فعلاً لشرط التحكيم على النحو المذكور، وقد يكون قصد الطرفين من إبرامه إلغاء شرط التحكيم والاستعاضة عنه باتفاق جديد. وفي هذه الحالة يعتبر شرط التحكيم منتهياً، في حين يكون اتفاق التحكيم قائماً، ويستند التحكيم عندئذ للثاني وليس للأول.

11- مشارطة التحكيم



وقد يكون اتفاق التحكيم لاحقاً على قيام النزاع، حيث يتفق الطرفان على إحالة هذا النزاع الذي وقع بالفعل إلى التحكيم. ويطلق الفقه والقضاء على هذا النوع من الاتفاق بمشارطه التحكيم لتمييزه بشكل خاص عن شرط التحكيم(24). وعلى ذلك، فان الفرق بين مشارطة التحكيم واتفاقيات التحكيم الأخرى، هو فيما إذا كان اتفاق التحكيم قد أبرم قبل نشوب النزاع أو بعده. ففي الحالة الأخيرة، نكون في إطار مشارطة التحكيم، وإلا في إطار اتفاقيات التحكيم الأخرى. ولا يوجد لهذه التفرقة أهمية تذكر في قوانين سوريا والإمارات وقطر(25) إلا أن هذه القوانين تنص على وجوب تحديد موضوع النزاع إما في وثيقة أو صك التحكيم(26)، أو أثناء المرافعة كما يقول القانونان السوري والقطري، أو أثناء نظر الدعوى كما يقول القانون الإماراتي. ولكن يلاحظ انه من المتعذر، إن لم يكن من المستحيل، تحديد موضوع النزاع في شرط التحكيم ما دام أن هذا الشرك يتعلق بنزاع مستقبلي محتمل والذي قد يقع وقد لا يقع بتاتاً. لذلك، فان اشتراط ذكر موضوع النزاع في وثيقة التحكيم في كلا القانونين، يقصد به فقط مشارطة التحكيم دون شرط التحكيم. ولكن ليس بالضرورة ذكر موضوع النزاع في مشارطة التحكيم حتى تكون المشارطه صحيحة، إذ يجوز بيان موضوع النزاع أثناء المرافعة أمام هيئة التحكيم وهو أمر بديهي. إذ من غير المعقول أن يتقدم احد الطرفين بدعوى تحكيمية دون بيان موضوع النزاع، كما انه من غير الممكن أن تنظر الهيئة في نزاع وتفصل فيه، دون أن يكون هذا النزاع محددا وواضحا أمامها، (وإلا كانت العملية التحكيمية باطلة حسب نص القانونية).



12- وثيقة مهمة التحكيم




ومن جانب آخر، تجدر التفرقة بين مشارطة التحكيم بالمفهوم المشار إليه، وبين سند أو وثيقة مهمة هيئة التحكيم المعروفة في نظام غرفة التجارة الدولية، ويطلق عليها بـ Term of Reference . فهذه الوثيقة تقوم بإعدادها هيئة التحكيم بعد استلامها ملف التحكيم من الغرفة. والملف في هذه المرحلة، يحتوي عموما على طلب التحكيم من جانب المحتكم، والرد عليه والدعوى المتقابلة، أن وجدت، من جانب المحتكم ضده وجواب المحتكم على الدعوى المتقابلة. وهذه المستندات تحتوي على العديد من العناصر الأساسية والأولية لدعوى التحكيم، مثل أسماء الخصوم ووقائع النزاع والبينات والطلبات، فيتكون لدى هيئة التحكيم فكرة أولية عن طبيعة النزاع، وتقوم الهيئة عندئذ بإعداد وثيقة مهمة هيئة التحكيم، وتتضمن ملخصا للوقائع والنزاع وطلبات الخصوم والمسائل التي ستفصل بها الهيئة من حيث النتيجة. وبعد إعداد الوثيقة، تعرضها الهيئة على أطراف النزاع الذين لهم الحق ببيان رأيهم فيها وتعليقهم عليها. وعند اكتمال الوثيقة بالصيغة المعتمدة من هيئة التحكيم، تقدم للأطراف للتوقيع عليها من قبلهم ومن ثم من قبل الهيئة. وبعد التوقيع عليها من كافة الأطراف، ترسل الوثيقة لمحكمة الغرفة للمصادقة عليها، وتبدأ هيئة التحكيم المهمة التحكيمية للفصل بالنزاع بعد هذه المصادقة (27).



وكما هو واضح، تتفق وثيقة المهمة مع مشارطة التحكيم من حيث أن كلا منهما يتم إعداده بعد نشوب النزاع وليس قبله. ومع ذلك هناك فوارق أساسية بينهما. فالمشارطة هي اتفاق التحكيم ذاته. لذلك يجب توقيعها من الطرفين، وإلا لا تكون هناك إحالة للتحكيم أصلاً. أما وثيقة المهمة، فتفترض دوماً وجود اتفاق تحكيم سواء في صيغة شرط أو مشارطة أو اتفاق مستقل، بل تفترض وجود إحالة للتحكيم استنادا لهذا الاتفاق، ليتم بعد ذلك إعداد الوثيقة. ومن حيث الشكل، يلاحظ أن مشارطة التحكيم يتم إعدادها من قبل أطراف النزاع أنفسهم، أما وثيقة المهمة فيتم إعدادها من قبل هيئة التحكيم ويكون ذلك أحيانا بمشاركة الأطراف وأحيانا دون مشاركتهم، وبالتالي يمكن اعتمادها وتطبيقها عليهم دون موافقتهم إذا رفضوا التوقيع عليها.



13- الاتفاق على التحكيم أمام المحكمة



كثيراً ما يتفق أطراف النزاع على التحكيم أمام المحكمة التي تنظر في نزاع لا يوجد بشأنه اتفاق تحكيم. ومثال ذلك أن يكون هناك عقد بين (أ) و (ب) لا يتضمن إحالة المنازعات الناجمة عنه للتحكيم. فلو وقع النزاع مثلاً، ولجأ (أ) إلى القضاء، فيجوز لهما الاتفاق أمام المحكمة أو حتى خارجها على التحكيم لتسوية النزاع ذاته(28). وفي هذه الحالة، يجب على المحكمة، بناء على طلب احد الطرفين أو كليهما، إسقاط الدعوى وإحالة النزاع للتحكيم. ومثل هذا الاتفاق جائز، سواء كان النزاع منظوراً أمام محكمة الدرجة الأولى أو الاستئناف، بل نرى انه جائز حتى أمام محكمة النقض (التمييز) ما دامت لم تصدر حكمها بعد(29). وهناك فرق بين اتفاق التحكيم الذي يتم أثناء المحاكمة في نزاع معروض على القضاء، وذاك الذي يتم بموجب اتفاق أصلي على التحكيم دون أن يكون النزاع معروضاً على القضاء، ويتعلق هذا الفرق بالمحكمة التي يتوجب إيداع حكم التحكيم ووثائق التحكيم الأخرى لدى قلم كتابها، وبالجهة التي تتولى تبليغ حكم التحكيم لأطراف النزاع، وذلك بالنسبة للدول التي تأخذ بهذه المسائل مثل مصر وعُمان وسوريا وقطر والإمارات، مما يخرج عن نطاق الدراسة الحالية.



ومختلف قوانين الدول العربية تشترط الكتابة في اتفاق التحكيم. وعلى ذلك، فإن التدوين في محضر المحاكمة باتفاق الطرفين على التحكيم، ومن ثم إصدار قرار قضائي برد الدعوى وإحالة النزاع للتحكيم، يعتبر من قبيل الاتفاق الخطي على التحكيم حتى لو لم يوقع الطرفان على محضر المحاكمة(30).



14- الاحالة لوثيقة تتضمن شرط تحكيم



يقع كثيراً في الحياة العملية أن لا يتفق الطرفان مباشرة على التحكيم في العقد المبرم بينهما، وإنما يحيلان في هذا العقد لأحكام وثيقة أخرى لتطبيقها عليهما في ما لا نص عليه في العقد الأصلي. وقد تتضمن هذه الوثيقة شرطاً لتسوية النزاعات عن طريق التحكيم. ومثال ذلك، أن تكون العلاقة بين الطرفين هي علاقة نقل بحري للبضائع بين الناقل (أ) والشاحن (ب)، وتنص وثيقة الشحن على تطبيق أحكام مشارطة إيجار السفينة بين (أ) وبين المستأجر (ج)، في حدود ما هو غير منصوص عليه في وثيقة الشحن. ولو فرضنا أن وثيقة الشحن لا تنص على بند لتسوية المنازعات، في حين أن مشارطة الإيجار تنص على التحكيم لتسوية أي نزاع بين (أ) و (ج). في هذا المثال، تقضي القواعد العامة بتطبيق شرط التحكيم على العلاقة بين (أ) و (ب) أيضاً ما دام أن العقد شريعة المتعاقدين(31).



ولكن نرى عدم الأخذ بالقواعد العامة إلا بقدر اتفاقها مع قواعد التحكيم وما استقر عليه الاجتهاد بشأنها. فمن المتفق عليه في الدول العربية أن التحكيم طريق استثنائي لتسوية المنازعات وهو ما ذهب إليه القضاء في مختلف الدول العربية. ونظراً لخطورة شرط التحكيم، نجد أن كثيراً من القوانين الحديثة في التحكيم، نصت صراحة على وجوب أن تكون الإحالة واضحة وصريحة بحيث تجعل من شرط التحكيم جزءاً من الاتفاق، وهو ما نص عليه صراحة القانون النموذجي، حيث تنص المادة 7/2 منه، بأن الإشارة في عقد إلى مستند يشتمل على شرط تحكيم يعتبر بمثابة اتفاق تحكيم، شريطة أن تكون الإشارة قد وردت بحيث تجعل ذلك الشرط جزءاً من العقد (32).



ومثال ذلك، أن ينص العقد بين (أ) و (ب) صراحة على سريان شرط التحكيم عليهما، كأن ترد في الإحالة مثلاً عبارة "بما في ذلك شرط التحكيم الوارد في عقد إجارة السفينة". وكما نرى، فان الإحالة الغامضة لشرط التحكيم لا تكفي، كالقول مثلاً "بما في ذلك شرط تسوية المنازعات"، لان ذلك لا يعني بالضرورة بأن الشرط هو شرط تحكيم. ومن نافلة القول انه ليس بالضرورة أن تتم الإحالة لشرط التحكيم في العقد الأصلي ذاته بين (أ) و (ب) وإنما يمكن أن تتم باتفاق لاحق عليه. وقد أخذ بهذا الرأي القانون المصري صراحة بقوله في المادة (10/3)، بأنه يعتبر من قبيل اتفاق التحكيم كل إحالة ترد في العقد إلى وثيقة تتضمن شرط تحكيم، إذا كانت الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءاً من العقد. وقد تضمن كل من القانون العُماني والأردني حكماً مماثلاً للقانون المصري(33).



ثالثاً: استقلالية شرط التحكيم



15- المبدأ التقليدي والحديث



ونواجه هنا الحالة التي يتضمن فيها العقد الأصلي شرط التحكيم، إلا أن العقد باطل لأي سبب أو تم فسخه باتفاق الطرفين أو بإرادة منفردة حيث يجيز القانون ذلك، أو انفساخه نتيجة قوة قاهرة. وحسب النظرية التقليدية، فان شرط التحكيم تابع لهذا العقد، مما يعني أن انتهاء العقد لأي سبب يؤدي إلى سقوط وانتهاء هذا الشرط المتضمن في العقد. وعليه، إذا حصل أي خلاف بين الطرفين حول العقد وآثاره المالية، فلا يحال إلى التحكيم، وإنما إلى القضاء ما دام أن الشرط لم يعد موجوداً لأنه، كما تقول القواعد الفقهية، التابع تابع لا يفرد في الحكم، وإذا سقط الأصل سقط الفرع.



ولكن خروجاً على هذا المبدأ التقليدي، أخذت قواعد التجارة الدولية بفكرة مغايره تماما، وهي بقاء شرط التحكيم قائما وصحيحا ما دام أن البطلان لم يلحقه بحد ذاته. وفي هذه الحالة، تتم تسوية النزاعات الناشئة عن هذا العقد بالتحكيم بالرغم من سقوط العقد ذاته، وهو ما يسمى باستقلالية شرط التحكيم عن العقد الذي ورد فيه هذا الشرط.



16- مبرر واهمية الاستقلالية



والمبرر لاستقلالية شرط التحكيم بهذا المفهوم واضح. فالنزاع سيحال في جميع الأحوال إلى جهة معينة للفصل فيه وهي، كقاعدة عامة، القضاء. لذلك، لا مشكلة ولا مانع من الإبقاء على شرط التحكيم وإحالة النزاع لجهة التحكيم التي ستقضي فيه، على غرار القضاء دون فرق، حسب أحكام القانون، وحكمها من حيث النتيجة سيخضع لرقابة القضاء. كما أن الأخذ بهذا المبدأ يتماشى مع الواقع العملي من حيث إرادة الأطراف وخاصة في التحكيم الدولي، مادام أن كثيرا من عقود التجارة الدولية، أن لم تكن غالبيتها، تنص على التحكيم لتسوية النزاعات الناشئة عن هذا العقد أو ذاك. والأطراف عندما يتفقون في العقد على الإحالة إلى التحكيم، لا يتوقعون حينئذ إلا الأخذ بما اتفقوا عليه لتسوية نزاعهم باللجوء إلى التحكيم وليس للقضاء. والمنازعات العقدية، لا تنحصر فقط بمدى تنفيذ أي من الأطراف لالتزاماته العقدية، وإنما يشمل ذلك أيضاً بيان حقوقهم المالية الناجمة حتى عن انتهاء العقد لأي سبب من الأسباب. فإذا قلنا أن هذا الانتهاء يؤدي حكما إلى انتهاء الشرط التحكيمي، فهذا يعني الخروج على إرادة الأطراف، بإجبارهم على اللجوء إلى القضاء خلافا لهذه الإرادة، مما يؤدي إلى زعزعة اتفاق التحكيم وخاصة في العقود الدولية.



ومن جهة أخرى، قد يكون من صلاحية هيئة التحكيم إنهاء العقد المتضمن لشرط التحكيم عن طريق فسخه مثلا أو تقرير انفساخه إذا توفرت شروط ذلك. وعلى سبيل المثال، قد يتفق (أ) و (ب) على إحالة نزاعهما للتحكيم بموجب شرط التحكيم، الذي يعطي صلاحيات واسعة لهيئة التحكيم مثل الفصل بكافة الأمور المتعلقة بالعقد، من حيث انعقاده وتنفيذه وفسخه وانفساخه والمطالبة بالتعويض وأي أمر آخر ناجم عنه(34) يتضمن العقد كذلك شرطا مفاده أن العقد يعتبر مفسوخا من تلقاء نفسه دون حاجة لاعتذار أو حكم قضائي أو تحكيمي، في حال إخلال أحد الطرفين بتنفيذ التزامه في الموعد المحدد. وقد لا ينفذ (أ) التزامه في موعده فيحصل نزاع بين الطرفين. وفي حين يطلب (أ) من (ب) تنفيذ التزاماته، ينازعه (ب) في ذلك على أساس أن العقد أصبح مفسوخاً من تلقاء نفسه. أو لا يكون في العقد شرط الفسخ التلقائي، فيخل (أ) بتنفيذه ويكون من حق (ب) المطالبة القضائية (أو التحكيمية) بفسخه. في هذين الفرضين، يكون تقرير انفساخ العقد بحكم القانون، أو إصدار قرار بفسخه من صلاحية هيئة التحكيم بموجب اتفاق الطرفين الصريح. ولو قضت الهيئة بأي منهما، فمعنى ذلك سقوط شرط التحكيم المتضمن في العقد إذا قلنا بعدم استقلاليته عن العقد، في حين أن الهيئة مارست صلاحياتها بمقتضى ذلك الشرط، الذي لولاه لما كان للهيئة وجود أصلاً.

وتبرز أهمية الأخذ بمبدأ استقلال شرط التحكيم بشكل خاص، عند النظر بدعوى بطلان حكم التحكيم. فلو دفع احد الطرفين أمام هيئة التحكيم بعدم اختصاصها في نظر النزاع بسبب سقوط شرط التحكيم، لأن العقد تم فسخه مثلا، فان الهيئة ستقضي برد هذا الدفع حتما لاستقلالية شرط التحكيم، حتى لو كان الفسخ صحيحا. وعندئذ لن يكون الحكم قابلا للبطلان بحجة عدم وجود اتفاق تحكيم أو بحجة فصل الحكم في مسائل لا يشملها هذا الاتفاق، أو تجاوز حدوده. وهذا بعكس ما لو قلنا بان فسخ العقد يشمل حكما فسخ شرط التحكيم، إذ يكون الحكم في هذه الحالة قابلا للبطلان لعدم وجود اتفاق تحكيم، ما دام الفسخ يشمله.



17- الاستقلالية وانقضاء الشرط



واستقلالية شرط التحكيم لا تعني بأن هذا الشرط لا يمكن أن يبطل أو لا يكون عرضة للفسخ، وإنما فقط لا يبطل أو يفسخ تبعا لبطلان العقد الأصلي أو فسخه. ولكن إذا لحق البطلان أو الفسخ شرط التحكيم ذاته، وليس بسبب تبعيته للعقد، فانه يكون باطلاً أو مفسوخاً بصرف النظر عن العقد الأصلي، حتى لو كان هذا العقد صحيحا ونافذا بحق طرفيه. ومن الصور التي يسقط فيها شرط التحكيم بسبب بطلانه أو فسخه ما يلي:



1- أن يكون موضوع شرط التحكيم مما لا يجوز التحكيم فيه. ومثال ذلك أتفاق القوانين العربية عدم جواز التحكيم في المسائل التي لا يجوز الصلح فيها، ومن ضمنها مسائل الميراث. فقد يتفق الورثة على توزيع أموال المتوقي بينهم حسب أحكام القانون، مع وجود شرط تحكيم على أنه في حال خلافهم حول حصصهم الارثية، يحال الخلاف إلى التحكيم بالصلح أمام محكم تم الاتفاق على تسميته. في هذا المثال يكون الاتفاق الأصلي صحيحاً، أما شرط التحكيم فيقع باطلاً.



2- حيث يكون أحد طرفي العقد عديم الأهلية عند إبرام العقد الوارد فيه شرط التحكيم. في هذا الفرض، يكون الشرط باطلا بحد ذاته.



3- أن يكون موضوع النزاع التحكيمي غامضاً أو مجهولاً جهالة فاحشة، كأن يرسل أحد الطرفين كتاباً للأخر يعرض عليه فيه إحالة الأمر إلى التحكيم، فيوافقه الأخر دون بيان هذا الأمر. أو تكون عبارات التحكيم غامضة، بحيث يصعب تطبيق الاتفاق. كأن يتم الاتفاق على أن أي خلاف يحال إلى التحكيم أمام محكمة التحكيم المختصة، دون ربط الخلاف بأي علاقة قانونية، ودون بيان المقصود من العبارة الأخيرة.



4- حيث يختلط موضوع العقد (الباطل) بموضوع شرط التحكيم ويكونان واحدا، كان يرد العقد وشرط التحكيم في عبارة واحدة، بالقول مثلا أن ورثة (د) وهم (أ) و (ب) و (ج)، اتفقوا على تعيين (هـ) محكما بالصلح بينهم بالنسبة لحصصهم في الميراث، أو ينص العقد بين (أ) و(ب)، وهما زوجان مطلقان لهما ابن قاصر، و(ج) و (د) وهما غريبان عنهما، بأنهم اتفقوا على تعيين (هـ) كمحكم لإعطاء حضانة ذلك الابن لأي منهم. في هذين المثالين، نجد اختلاط موضوع النزاع الباطل بشرط التحكيم، مما يعني بطلانهما معاً.



5- أن يتفق إطراف العقد على فسخه، أي إقالته مع النص صراحة على أن شرط التحكيم مشمول بالفسخ. في هذه الحالة أيضاً فان شرط التحكيم في ذاته لم يعد قائما.



6- أن تكون الإحالة إلى مؤسسة تحكيم لا وجود لها على أرض الواقع، كالاتفاق على إحالة النزاع إلى المركز العربي للتحكيم في سوريا في حين لا وجود لمثل هذا المركز لا في سوريا ولا خارجها. ولكن إذا كانت الإحالة أخطأت في اسم مؤسسة التحكيم، أي كان هناك غموض في هذا الاسم بحيث يمكن جلاؤه، فتكون المسألة عندئذ مسألة تفسير تقوم بها هيئة التحكيم أو المحكمة المختصة، حسب مقتضى الحال. ومثال ذلك، الاتفاق على التحكيم وفق مركز دبي للتحكيم التجاري الدولي، في حين أن اسمه هو مركز دبي للتحكيم الدولي وليس " التجاري الدولي"، أو وفق مركز مصر الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، مع أن اسمه هو مركز القاهرة وليس مركز دبي، أو لدى غرفة التجارة الدولية في جنيف في حين أن مقر الغرفة في باريس وليس جنيف(35).



7- أن تكون الإحالة إلى مؤسسة لاتعمل بالتحكيم أصلا وليس لها قواعد خاصة بها، مثل الإحالة إلى التحكيم وفق قواعد جامعة الدول العربية، أو جامعة الإمارات، أو الجامعة الأردنية.



8- إذا كان من المستحيل تطبيق اتفاق التحكيم، كالإحالة إلى مؤسسة لم يعد لها وجود لانقضاء شخصيتها الاعتبارية عند الاتفاق، أو الاتفاق على إحالة النزاع لشخص طبيعي حصراً كمحكم، ثم يتبين انه كان متوفياً وقت إبرام الاتفاق.



9- أن يشترط الاتفاق للذهاب إلى التحكيم، أن يكون المحكم هو احد الخصمين بحيث يجتمع فيه صفتا الخصم والحكم معاً.



10- وفي عقود التأمين، تقضي قوانين الدول العربية عموماً، بأن شرط التحكيم يكون باطلاً إذا لم يرد في اتفاق خاص منفصل عن الشروط العامة المطبوعة في وثيقة التأمين.



11- وبالنسبة لشرط التحكيم الوارد في بوليصة الشحن، قضي في دبي بأنه يتعين إبطال هذا الشرط وعدم الالتزام به إذا كان غير مقروء، وكان مطبوعاً بخط دقيق بطريقة تعجز عيون الإنسان العادي عن قراءته(36) .

18- استقلالية الشرط والاتفاق المستقل



والدول التي أخذت بالاستقلالية نصت صراحة على أن هذه الاستقلالية تتعلق بشرط التحكيم وليس باتفاق التحكيم عموما. والمعنى الحرفي لذلك انه حيث يرد اتفاق التحكيم ليس في صيغة شرط تحكيم منصوص عليه في العقد الأصلي، وإنما باتفاق تحكيم لاحق لهذا العقد، سواء تم ذلك قبل وقوع النزاع أو بعده، فان مبدأ الاستقلالية لا يشمله. ولكننا لسنا مع هذا الفهم الحرفي للنصوص، ونرى تفسير شرط التحكيم بالمعنى الواسع بحيث يشمل كل اتفاق تحكيم، سواء كان شرط تحكيم بالمعنى الضيق، أو اتفاق تحكيم لاحق على هذا الشرط، وذلك لاتحاد العلة والمبررات التي سيقت للدفاع عن مبدأ الاستقلالية.



19- الاستقلالية في قوانين الدول العربية



أصبح مبدأ استقلالية شرط التحكيم من مبادئ التحكيم العامة التي أخذت بها قوانين التحكيم الحديثة في مختلف الدول، ومصدر هذه القوانين الأساسي هو القانون النموذجي لليونسترال الذي أخذ أيضاً بهذا المبدأ. ومن الدول العربية التي أخذت تشريعاتها بمبدأ استقلالية شرط التحكيم مصر وعُمان وفلسطين والأردن(37).



أما في دول أخرى مثل قطر والإمارات ولبنان وسوريا، فلا يوجد نص تشريعي يقضي بهذه الاستقلالية، مما يقتضي تطبيق القواعد العامة. ولا يوجد في هذه القواعد ما يسعف للقول بان شرط التحكيم مستقل عن العقد المتضمن فيه، بل على العكس من ذلك فإنها تقضي بان التابع تابع لا يفرد بالحكم، وانه إذا سقط الأصل سقط الفرع، وإذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه(38) اذا يعني انه إذا سقط العقد لأي سبب بالبطلان أو الفسخ أو الانفساخ، فان شرط التحكيم يسقط تبعا له. وقد أكدت هذا المبدأ المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي بقولها انه يترتب على بطلان العقد الأصلي بطلان شرط التحكيم تبعا لذلك، ويبقى الاختصاص في بطلان العقد معقود للقضاء صاحب الولاية العامة في الفصل بالنزاع(39). إلا أن محكمة تمييز دبي أخذت بعكس هذا الرأي بقولها أن بطلان العقد الأصلي المتضمن شرط التحكيم أو فسخه أو إنهاءه لا يمنع من أن يظل شرط التحكيم ساريا ومنتجاً لأثاره، بالنسبة للآثار المترتبة على بطلان أو فسخ أو إنهاء العقد الأصلي ما لم يمتد البطلان إلى شرط التحكيم ذاته، باعتبار أن شرط التحكيم له موضوعه الخاص به، والذي يتمثل في استبعاد النزاع المشترط التحكيم فيه من ولاية المحاكم(40). وأخذت بمبدأ الاستقلالية أيضاً أحكام القضاء في قطر حيث ذهبت محكمة الاستئناف في أكثر من حكم إلى أن شرط التحكيم له ذاتية مستقلة، وبالتالي لا يتأثر ببطلان أو فسخ محتمل للعقد الأصلي المتضمن فيه الشرط (41) . واضح أن هذين الحكمين القضائيين يتفقان مع التوجهات الحديثة في التحكيم، وإنهما استبقا أي تشريع خاص بالتحكيم، قد يوضع مستقبلاً في هاتين الدولتين، والذي غالبا ما سيأخذ بهذه الاستقلالية أسوة بغيره من التشريعات الحديثة.

‏ليست هناك تعليقات: